في ظل تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط واحتمال اندلاع نزاع واسع النطاق، تبرز التساؤلات حول مستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو) ودور الولايات المتحدة فيه. فبينما يتابع العالم التطورات، نشرت دراسات معمقة حول إمكانية انسحاب واشنطن من الحلف، وسط تصريحات من مسؤولين أمريكيين تشكك في جدوى الالتزام به وعدالة تقاسم الأعباء.
يأتي نشر دراسة هامة حول “فصل السلطات والانسحاب من حلف الناتو” في 27 فبراير/شباط 2026، قبل يوم واحد من بدء حرب واسعة، ليثير تساؤلات حول توقيتها وما قد تعنيه لمستقبل الحلف. هذه الدراسة تبحث في صلاحيات الرئيس الأمريكي بسحب بلاده من المعاهدة دون موافقة الكونغرس، في سياق يتسم بتزايد الخطاب الأمريكي المنتقد لأداء الحلفاء الأوروبيين.
ترمب في مواجهة مع الناتو
لطالما كانت مسألة تقاسم الأعباء الدفاعية أحد أبرز المحاور في علاقة الولايات المتحدة ودول حلف الناتو. فمنذ وصول الرئيس ترمب إلى البيت الأبيض، ركزت واشنطن على ضرورة أن تزيد الدول الأعضاء من إنفاقها الدفاعي لتصل إلى 2% من ناتجها المحلي الإجمالي، وهو ما اعتُبر معيارًا رئيسيًا لالتزام الحلفاء. وقد أدت هذه المطالبات إلى تصعيد في لهجة الرئيس ترمب، الذي اعتبر أن الولايات المتحدة تتحمل عبئًا غير متناسب.
خلال قمة الحلف في بروكسل عام 2017، وجه ترمب انتقادات حادة للدول التي لا تلتزم بالنسبة المستهدفة، ملوحًا بإمكانية عدم ضمان الولايات المتحدة لأمن تلك الدول إذا لم تساهم بشكل أكبر. وتكرر هذا المشهد في قمة 2018، مما زاد من الضغط على الحلفاء لزيادة إنفاقهم الدفاعي.
مع عودة ترمب إلى البيت الأبيض في مطلع عام 2025، استمرت هذه الضغوط، حيث وافقت دول الحلف، بضغط من واشنطن، على رفع سقف الإنفاق الدفاعي إلى 5% من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2035. هذا القرار جاء في ظل تقديرات داخل الحلف بإمكانية حدوث حرب مع روسيا، مما أضفى عليه طابعًا استراتيجيًا.
ومع ذلك، تشير تقارير إلى أن بعض الدول الأعضاء، مثل إيطاليا، قد تتبع نمط “الامتثال الشكلي” لنسب الإنفاق، حيث تعلن عن ميزانيات دفاعية كبيرة دون أن يعكس الإنفاق الفعلي زيادة ملموسة في الجاهزية العملياتية أو القدرات القتالية.
اضطراب البوصلة
لا يقتصر التغير في المقاربة الأمريكية تجاه الناتو على مسألة الإنفاق، بل يمتد ليشمل طبيعة أدوار الحلف وانتشاره الجغرافي. ثمة ضغوط أمريكية لتقليص أنشطة الحلف خارج نطاق أوروبا، بما في ذلك إنهاء مهامه في العراق وتقليص وجوده في كوسوفو. كما تثار تساؤلات حول دعوة أوكرانيا والشركاء في منطقة المحيطين الهندي والهادئ للاجتماعات الرسمية.
هذه التوجهات تثير قلقًا داخل الحلف، خاصة فيما يتعلق بمستقبل بعثاته القائمة. فمهمة الناتو في العراق، التي تهدف إلى تعزيز المؤسسات الأمنية العراقية، تبدو مهددة بالإنهاء. كما أن فكرة تقليص أو إنهاء مهمة الحلف في كوسوفو (KFOR) تثير مخاوف من تداعيات أمنية غرب البلقان.
والأكثر إثارة للدهشة هو طلب الرئيس ترمب من الناتو المشاركة في فتح مضيق هرمز، وهو مسرح عمليات بعيد عن أوروبا ويرتبط بأمن الطاقة والملاحة الدولية. هذا التطور يأتي في تناقض مع المطالبات السابقة بتركيز دور الحلف على المسرح الأوروبي.
تشير هذه المستجدات إلى غياب إطار ناظم لعمل الناتو في منظور واشنطن، والرغبة في توظيفه كأداة تخدم أولوياتها المرحلية، بحيث يُستدعى لساحات جديدة عندما يخدم ذلك أولوية ما للسياسة الأمريكية، ويُعاد تقليصه في سياقات أخرى لا تتقاطع مع تلك الأولويات.
نسخة الناتو الثالثة
يقدم إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الحرب لشؤون السياسات، رؤية لما وصفه بـ “نسخة الناتو الثالثة”، والتي تنطلق من فرضية انتهاء المرحلة التي تلت الحرب الباردة. يقسم كولبي تاريخ الحلف إلى ثلاث مراحل: “الناتو 1.0” خلال الحرب الباردة، حيث تمحور حول الردع والدفاع عن أوروبا. ثم “الناتو 2.0” بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، والذي اتجه نحو توسيع مهامه خارج مجاله الجغرافي. أما “الناتو 3.0” فيمثل محاولة للعودة إلى الوظيفة الأصلية للحلف، ولكن مع توزيع الأعباء بشكل أكبر.
وفقًا لطرح كولبي، ينبغي أن تتحمل أوروبا المسؤولية الأساسية عن دفاعها التقليدي، نظرًا لغناها وقدراتها الصناعية والتكنولوجية الهائلة، خاصة في ظل وجود تهديد عسكري روسي. في المقابل، ستتجه الولايات المتحدة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، مع إعطاء أولوية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ. ويشدد كولبي على أن هذه الرؤية لا تمثل انسحابًا أمريكيًا، بل إعادة توزيع للأدوار لتعزيز فعالية الحلف.
إمكانية الانسحاب من الناتو
في ظل التطورات المتلاحقة والتقلبات في موقف الرئيس الأمريكي، أصبح الحديث عن انسحاب الولايات المتحدة من الناتو سؤالًا مطروحًا. تسمح المادة 13 من معاهدة الناتو للدول الأعضاء بالانسحاب بعد عام واحد من تقديم إشعار الانسحاب. لكن ما يثير الجدل هو مسألة صلاحية الرئيس الأمريكي في اتخاذ قرار الانسحاب دون موافقة الكونغرس.
تاريخيًا، استقر العرف على أن الانسحاب يتم عبر قرار مشترك بين السلطة التنفيذية والتشريعية. إلا أن هذا النمط بدأ يتغير في القرن العشرين، حيث تعزز نمط الانسحاب الأحادي بقرار رئاسي، كما حدث في قضية انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الدفاع المشترك مع تايوان عام 1979.
ومع ذلك، واجه هذا التفسير ردًا تشريعيًا في عام 2023، حين أقر الكونغرس مادة في قانون تفويض الدفاع الوطني تحظر على الرئيس الانسحاب من الناتو أو تعليقه دون موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين أو صدور قانون من الكونغرس. هذا التشريع يحول أي محاولة للانسحاب الأحادي إلى صراع مؤسسي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
في ضوء ما سبق، يبدو أن سؤال انسحاب الولايات المتحدة من حلف الناتو يأتي ضمن محاولات إعادة تعريف موقع الحلف في الاستراتيجية الأمريكية. قد لا يكون الانسحاب الكامل هو السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب، نظرًا للقيود القانونية، لكن المسار الجاري يشير إلى شيء آخر يتمثل في تقليص الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا تدريجيًا، وربطه بشروط أكثر صرامة تتعلق بتقاسم الأعباء وتحديد الأولويات.
ما سيأتي هو مراقبة تطورات أي تصعيد عسكري قد يؤدي إلى استدعاء آلية الدفاع الجماعي، وقياس مدى استجابة الدول الأعضاء لطلبات الولايات المتحدة، بالإضافة إلى متابعة التفاعلات القانونية والسياسية داخل الولايات المتحدة حول إمكانية الانسحاب من الحلف، والتي ستشكل اختبارًا لتوازن القوى داخل النظام السياسي الأمريكي.