كيف اختطف “كارفور” وإخوته صيام المسلمين في الغرب؟

فريق التحرير

رمضان في أوروبا: بين التسليع السياسي والتعددية الاقتصادية

يشهد شهر رمضان المبارك في أوروبا ظاهرة متنامية من الاندماج في النسيج الرأسمالي للقارة، حيث تتنافس كبرى الشركات والمتاجر على تقديم عروض خاصة وحملات تسويقية مبتكرة. تتجاوز هذه الظاهرة مجرد المواد الغذائية لتشمل مجالات واسعة مثل التطبيقات الرقمية، والأنظمة المالية، وحتى المعارض والأسواق الرمضانية، مما يحول الشهر الفضيل إلى موسم تجاري نشط ينافس أحيانًا مواسم أخرى كعيد الميلاد.

لا تقتصر هذه الظاهرة على المتاجر التي يملكها مسلمون، بل تقودها شركات التجزئة الكبرى وشركات التكنولوجيا العالمية، مما يعكس تحول “اقتصاد رمضان” من نطاق محدود إلى جزء لا يتجزأ من الرأسمالية الأوروبية. تتجلى هذه الديناميكية بشكل خاص في المدن الأوروبية الكبرى، حيث تصبح شوارع أحياء مثل باربيس في باريس، ونيوكولن في برلين، ووايت تشابل في لندن، مراكز تجارية تعج بالحركة والنشاط الاقتصادي خلال الشهر الفضيل.

تاريخ “اقتصاد رمضان” في أوروبا

بدأت قصة اندماج رمضان في الرأسمالية الأوروبية مع تدفق المهاجرين المسلمين إلى القارة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث فاق الطلب على العمالة احتياجات الهوية الثقافية. خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، كانت الأولوية للعمالة الوافدة، ونظرت الرأسمالية الأوروبية للأفراد كمصادر للإنتاج أكثر من كونهم مستهلكين باحتياجات ثقافية مميزة. كان “اقتصاد رمضان” في تلك الفترة شبه غائب وشؤونًا خاصة تتم داخل مساكن العمال، مع تأثير اقتصادي يقتصر على “الاقتصادات العرقية” الصغيرة.

مثلت التحولات التي جرت في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، مع انتقال الهجرة من مرحلة مؤقتة إلى استقرار دائم وسياسات لم شمل الأسر، نقطة تحول رئيسية. مع تلاشي “أسطورة العودة” وبدء المسلمين الأوروبيين في بناء مؤسسات دائمة، بدأ شهر رمضان يترسخ كنمط زمني مميز في أحياء معينة، وازداد الطلب على سلع ذات خصوصية إسلامية وعربية. شهدت هذه الفترة أيضًا بداية استقرار “الصحوة الإسلامية” في صفوف الجاليات، مما دفع الموزعين الرئيسيين إلى تعديلات في أنماط التجارة.

بحلول تسعينيات القرن الماضي، أدركت شركات التسويق حجم “السوق العرقية” كقطاع متخصص وواعد. ودفع تقرير صادر عام 1995 عن المعهد الفرنسي للرأي العام، الذي حدد حجم السوق الإسلامية، الباب أمام النمو الهائل لسوق المنتجات الحلال، ناقلاً المركز الاقتصادي لشهر رمضان من الاستيراد غير الرسمي إلى أرفف المتاجر الكبرى الأوروبية.

رأسمالية “الحلال” وتوحيد المعايير

شكل توحيد معايير “الحلال” التطور المحوري الذي سمح بدمج شهر رمضان في الرأسمال الأوروبي. فمن قضية ثقة بين الجزار المحلي والمستهلك، تحول “الحلال” إلى علامة تجارية تخضع لإشراف هيئات إصدار الشهادات. جاء هذا التحول مع اعتماد الغرب أساليب صناعية في إنتاج اللحوم، مع استثناءات تشريعية تسمح بممارسة “الذبح الشعائري” لتلبية متطلبات “الحلال” والـ”كشروت”.

استفادت “صناعة الحلال” من هذه الاستثناءات التشريعية، واتسع نطاق منح شهادات “الحلال” لتشمل منتجات عديدة، مما أدى إلى ظهور ما يسميه عالم السياسة الفرنسي جيل كيبل “وادي الحلال”. استجابت الرأسمالية الأوروبية لهذا الانتعاش الديني والطلب الاستهلاكي المتزايد، حيث أصبحت صناعة الأغذية تقدر قيمة استهلاك رمضان بشكل يوازي عيد الميلاد. هذا التحول سمح للشركات الكبرى مثل نستله وكارفور بالهيمنة على القطاع، وتحويل “الحلال” إلى علامة تجارية مربحة.

المفارقات والمتناقضات: بين الاستهلاك والسياسة

يتجلى اندماج رمضان في الرأسمالية الأوروبية اليوم في قطاعات عدة، أبرزها التجزئة والضيافة والتكنولوجيا. تطلق متاجر كبرى حملات تسويقية شبيهة بـ”الجمعة السوداء” و”عيد الميلاد”، مع تركيز على قيم الأسرة والروحانية. وقدرت دراسة في فرنسا أن سوق المنتجات الحلال يدر مليارات اليوروهات سنوياً، مما يجعل فرنسا تحتل مرتبة عالمية متقدمة في هذا المجال. كما يتأثر قطاع الضيافة بشكل جذري، مع تمديد ساعات عمل المطاعم وظاهرة “خيام رمضان” في مدن كبرى.

لكن هذا الاندماج المتزايد لرمضان يتناقض بشكل صارخ مع تصاعد رهاب الإسلام والعنصرية في القارة. يكشف تقرير “الإسلاموفوبيا في أوروبا لعام 2024” عن زيادة مقلقة في التمييز والعنف ضد المسلمين. تفسر هذه المفارقة بوجود اتجاهين متعارضين في الرأسمالية الأوروبية: الرأسمالية المعولمة التي ترى في التنوع المورد الأساسي وتعتبر “المستهلك المسلم” نموذجًا مرغوبًا، والرأسمالية القومية التي تعتبر الوجود الإسلامي تهديدًا للهوية الوطنية والاقتصاد “الأصلي”.

يتجلى هذا التوتر في الحملات التي يشنها اليمين المتطرف ضد منتجات “الحلال”، حيث تُصوّر على أنها تنازل عن التقاليد و”خضوع لرأس المال الأجنبي”. استغلال الرأسمالية القومية للقلق الثقافي يصبح سلاحًا لمقاومة قوى السوق العالمية، مما يبرر الإنفاق العام على “الأمن” و”مكافحة الإرهاب”. هذا الوضع يخلق تمييزًا بين “المسلم المستهلك” المرحب به، و”المسلم السياسي” المرفوض.

تُقدم الرأسمالية مسارًا “آمنًا” للهوية من خلال توجيه التعبير الديني نحو الاستهلاك، لكنها تجرد المسلمين الأوروبيين من بعدهم السياسي. فبينما يتم الترحيب بالمسلم المستهلك في السوبر ماركت، قد تُمنع امرأة مسلمة من دخول مكان عام بسبب الحجاب. يبدو أن السوق تستبدل المواطنة الحقيقية بـ”مواطنة المستهلك”.

تُظهر فرنسا، التي تملك قوانين صارمة على التعبير الديني وتشهد تصاعدًا في اليمين المتطرف، مفارقة واضحة، فهي موطن لأكبر سوق المنتجات الحلال في أوروبا. في المقابل، يعتبر الاندماج أكثر سلاسة في المملكة المتحدة بسبب سياسة “التعددية الثقافية” الرسمية. يكشف هذا التوتر عن طبيعة الرأسمالية المتصدعة، حيث يُنظر للمسلم كعرض هامشي لتوتر أعمق بين جناحي الرأسمالية.

يؤكد اندماج رمضان في الرأسمالية الأوروبية رؤية مكسيم رودنسون بأن الإسلام يمكن أن يعمل بسلاسة ضمن منطق السوق. ومع ذلك، يبرر استمرار العنصرية هواجس سيد قطب بأن الاندماج الرأسمالي قد يأتي على حساب النقاء الروحي والموقف السياسي، تاركًا المسلم عالقًا بين سوق يطوع هويته من أجل الربح وصراع ثقافي يستثمر في وجوده لتغذية الشعبوية والخوف.

شارك المقال
اترك تعليقك