تكشف شبكة التأثير السياسي الواسعة التي نسجها الممول المفلس جيفري إبستين عن شبكة معقدة ومتشعبة من أصحاب النفوذ السياسي داخل وخارج الولايات المتحدة، الذين جمعوا سياسيين من مختلف الأطياف الأيديولوجية. هذه الشبكة، التي تجاوزت طبقة الممولين وسمحت لإبستين ببناء علاقات هائلة، منحت الضحايا السابقين فرصًا للحصول على حصانة واسعة لفترة طويلة.
شبكة إبستين السياسية: نفوذ يمتد عبر القارات
تُسلط الوثائق المنشورة الضوء على شبكة علاقات إبستين السياسية المعقدة، والتي شملت شخصيات بارزة على جانبي الطيف الحزبي في الولايات المتحدة، مثل الرئيسين السابقين بيل كلينتون ودونالد ترامب، بالإضافة إلى شخصيات مؤثرة مثل ستيف بانون ونعوم تشومسكي. هذه الروابط، التي امتدت لتشمل المستويات العليا للحكومات والدوائر السياسية حول العالم، منحت إبستين غطاءً سمح له بالعمل لفترة طويلة دون مساءلة.
من أبرز الشخصيات التي كشفت الوثائق عن ارتباطها بإبستين هو الأمير البريطاني أندرو، شقيق الملك تشارلز، الذي اتُهم في قضايا تتعلق باستغلال قاصرات. أدت هذه الاتهامات إلى تهميشه داخل العائلة الملكية ودفع تعويضات مالية كبيرة في تسوية قضية اعتداء جنسي. تُظهر هذه العلاقة مدى عمق تسلل شبكة إبستين إلى النخب الملكية.
علاوة على ذلك، كشفت الوثائق عن ارتباط وثيق بين إبستين ولورد بيتر ماندلسون، القيادي البارز في حزب العمال البريطاني وشغل مناصب وزارية هامة في حكومات توني بلير وغوردون براون. قدمت غيلين ماكسويل، ابنة إمبراطور الإعلام روبرت ماكسويل وذراع إبستين الأيمن، تعريفاً بينهما في أواخر التسعينيات. استمرت العلاقة حتى بعد إدانة إبستين في عام 2008، حيث تضمنت رسائل بريد إلكتروني مفرج عنها مناقشات حول خطط لبيع أصول حكومية وبريطانية ضرائب على مكافآت المصرفيين، مما يشير إلى حصول ماندلسون على معلومات داخلية.
استغلال شبكة العلاقات لصالح مالي وسياسي
من جانبه، استفاد ماندلسون من علاقات إبستين، حيث طلب منه المساعدة في التقرب من مسؤولين في بنك “جي بي مورغان” لدفع البنك لتولي دور في مشروع استثماري. وبعد خروجه من الحكومة، طلب ماندلسون من إبستين المساعدة في الحصول على وظيفة “عالية الأجر” في إحدى الشركات الكبرى.
على غرار علاقته بماندلسون، سعى إبستين لبناء علاقة مع الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون عبر مساهماته المالية للحزب الديمقراطي وزياراته المتكررة للبيت الأبيض. بعد مغادرة كلينتون منصبه، استمرت العلاقة من خلال تبرع إبستين لمؤسسة كلينتون والمساعدة في ربط المؤسسة بمتبرعين آخرين. استخدم كلينتون طائرة إبستين الخاصة، المعروفة بـ “لوليتا إكسبريس”، في عدد من الرحلات، بينما حصل إبستين على وجاهة اجتماعية ونفوذ مقابل ذلك.
تمتد علاقات إبستين إلى الرئيس الحالي دونالد ترامب، حيث تعود إلى التسعينيات. تبادل الاثنان الزيارات والمشاركة في الأوساط الاجتماعية الراقية ولعب الغولف معًا. سافر ترامب على متن طائرات إبستين الخاصة عدة مرات. ورغم نشوب خلاف بينهما في منتصف العقد لعام 2000، فإن العلاقة السابقة مع ترامب، مثل علاقته مع كلينتون، ساهمت في تعزيز سمعة إبستين.
لم تقتصر شبكة إبستين على رؤساء الولايات المتحدة، بل شملت شخصيات سياسية أخرى مثل حاكم نيو مكسيكو السابق بيل ريتشاردسون، ووزير التجارة الحالي هوارد لوتنيك. في السياق العربي، تبرز ارتباطات خطيرة تشمل الوسطاء في عملية السلام بالشرق الأوسط. إذ كشفت الوثائق عن علاقة وثيقة بين إبستين والدبلوماسي النرويجي تيريه رود-لارسن، “مهندس اتفاقيات أوسلو”، تضمنت قروضًا ودفعات مالية غامضة. كما أوصى إبستين بمبلغ كبير لكل من طفلي لارسن وزوجته الدبلوماسية الرفيعة مونا يول في وصيته الأخيرة، مما يثير تساؤلات حول ثمن هذه الخدمات الدبلوماسية.
تأثير على عملية السلام في الشرق الأوسط
يبرز اسم السيناتور الأمريكي الأسبق جورج ميتشل، المبعوث الأمريكي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، كشخصية أخرى ورد اسمها أكثر من 300 مرة في سجلات إبستين. تشير الوثائق إلى لقاءات مكثفة بينهما خلال فترة مهمته في المنطقة. بل إن إحدى الضحايا ذكرت في إفادتها القضائية أنها أُجبرت على ممارسة الجنس معه. ورغم نفي ميتشل واستقالته، فإن وجود وسيط السلام في قلب شبكة إبستين يلقي بظلال من الشك على نزاهة منظومة السلام بأكملها.
ماذا بعد؟ تستمر التحقيقات في هذه القضايا المعقدة، ومن المتوقع صدور المزيد من الوثائق والتفاصيل تباعًا. يبقى السؤال حول مدى عمق تأثير هذه الشبكات على السياسات الدولية والقرارات التي شكلت مصائر الدول والمناطق، خاصة في سياق الشرق الأوسط، مفتوحًا للتساؤلات والتكهنات.