أثار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تكهنات واسعة حول تشكيل “تحالف سداسي” جديد في الشرق الأوسط، يضم دولاً من آسيا، أفريقيا، واليونان وقبرص، بالإضافة إلى الهند، وذلك بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى تل أبيب. هذه التحركات تشير إلى احتمال إعادة تشكيل خريطة التحالفات في المنطقة، مع تزايد الاهتمام الهندي بتعزيز نفوذها الاستراتيجي، خاصة في ظل التنافس المتصاعد مع الصين.
تعد زيارة مودي لإسرائيل هي الثانية له منذ توليه منصبه، وتعكس اهتمام نيودلهي بتعزيز علاقاتها مع تل أبيب، مع سعيها لترسيخ موقعها في قلب تحالفات إقليمية جديدة. ترتبط هذه الزيارات واللقاءات بأفكار ومواقف استراتيجية تمس المنطقة العربية وأمنها بشكل مباشر، حيث تسعى الهند إلى بناء شراكات تدعم مصالحها الاقتصادية والأمنية.
محور أرض الصومال: بوابة الهند الاقتصادية والأمنية
يبرز إقليم أرض الصومال كعنصر استراتيجي في هذه التحالفات الجديدة، نظراً لموقعه الجغرافي الهام على سواحل خليج عدن والبحر الأحمر. تشير الدراسات الهندية، مثل تلك الصادرة عن مؤسسة أوبزرفر للأبحاث، إلى أن إنشاء قاعدة بحرية هندية في ميناء بربرة يمكن أن يعزز النفوذ الهندي ويحمي مصالحها، ويشكل عاملاً موازناً للوجود الصيني المتزايد في المنطقة. وقد اعترفت إسرائيل رسمياً باستقلال أرض الصومال، مما يتقاطع مع المصالح الهندية.
تتجاوز هذه المصالح المشتركة حدود أرض الصومال، حيث تروج مراكز الدراسات الهندية لمشروع “الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا” (IMEC)، والذي يمر عبر ميناء حيفا. يهدف هذا المشروع إلى ربط الهند بالأسواق الأوروبية، وقد شهد توقيع اتفاقيات تجارة حرة وشراكات أمنية بين الهند والاتحاد الأوروبي، مما يعزز من أهمية هذا الممر الاقتصادي.
محور نيودلهي–أثينا: شراكة استراتيجية في المتوسط
بعيداً عن القرن الأفريقي، تتنامى العلاقات الهندية-اليونانية في منطقة البحر المتوسط، مع تركيز على الأمن البحري وسلاسل الإمداد. تمنح زيارة مودي لأثينا عام 2023 زخماً لهذه الشراكة، التي ترتكز على تفاهمات سياسية متبادلة، خاصة فيما يتعلق بقضايا كشمير وقبرص، وفي مواجهة نفوذ تركيا وباكستان. اليونان، بموقعها الاستراتيجي وبوابتها إلى أسواق الاتحاد الأوروبي عبر ميناء بيرايوس، تمثل شريكاً لوجستياً هاماً للهند، مما يعزز من دور الهند كفاعل بحري يمتد من المحيط الهندي إلى شرق المتوسط.
تتكامل هذه الشراكة مع مبادرات أمنية ولوجستية، حيث تسعى الهند لتعزيز بنيتها الصناعية وسلاسل توريدها، بالتعاون مع اليونان في مجالات بناء السفن والصيانة. تكتسب هذه العلاقة أهمية إضافية في سياق المنافسة مع الصين التي تتوسع في إدارة الموانئ عالمياً. وعلى الصعيد الأمني، يضاف إلى ذلك التقارب الهندي مع أرمينيا، التي تبحث عن شركاء بدلاء لروسيا، مما يعزز من شبكة التحالفات الهندية في جنوب القوقاز.
محور نيودلهي-تل أبيب: تعزيز القدرات العسكرية واللوجستية
شهدت العلاقات الهندية-الإسرائيلية تطوراً متسارعاً، خاصة في المجال العسكري، حيث أصبحت الهند أكبر سوق لصادرات الأسلحة الإسرائيلية. يشمل هذا التعاون تكنولوجيات متقدمة مثل الطائرات المسيرة وأنظمة المراقبة والدفاع الجوي. وقد تجلى هذا التقارب في مشاركة القوات الجوية الهندية في تمرين “العلم الأزرق” عام 2017، مما ساهم في دمج الخبرات الإسرائيلية في العقيدة الجوية الهندية.
على المستوى الجيوسياسي، تدعم مجموعة “I2U2” (التي تضم الهند وإسرائيل والإمارات والولايات المتحدة) هذا التقارب، مما يمنح الهند فرصة للاستفادة من موقع إسرائيل كبوابة لشرق المتوسط. كما يعزز “الممر الاقتصادي الهند-الشرق الأوسط-أوروبا” (IMEC) من دور إسرائيل كشريك لوجستي للهند. يمثل حصول شركة “أداني” الهندية على عقد إدارة محطة في ميناء حيفا مؤشراً على تلاقي المصالح الهندية-الإسرائيلية مع التحفظات الأمريكية تجاه الوجود الصيني.
شبكة من التحالفات الجديدة
تكشف هذه التحركات عن توجه هندي نحو بناء شبكة نفوذ شاملة، تتجاوز الشراكات الثنائية. تسعى الهند إلى الربط بين الأمن البحري، وسلاسل الإمداد، والتعاون الدفاعي، والتموضع اللوجستي. الهدف الأساسي هو موازنة التمدد الصيني، وتوسيع الحضور الهندي غرباً، لترسيخ موقعها كقوة بحرية مؤثرة في ممرات التجارة والطاقة العالمية. تتقاطع المصالح الهندية مع دول مثل إسرائيل، اليونان، إثيوبيا، وأرمينيا، مما يعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي في المنطقة.
ما تلا ذلك هو أن هذه التحركات الهندية، من القرن الأفريقي إلى شرق المتوسط وجنوب القوقاز، ترسم مساراً نحو تحالفات جديدة قد تحمل تداعيات على التوازنات الإقليمية، خاصة مع التنافس المتزايد مع الصين. يتوقف مستقبل هذه التحالفات على قدرة الهند على إدارة العلاقة بين سياستها الخارجية المستقلة ومحيطها الجيوسياسي المعقد، والذي قد يشهد مزيداً من التوترات، خصوصاً في ظل تطورات محتملة على جبهات مثل إيران.