يالمار شاخت.. “الساحر” الذي حول دولة مفلسة لأقوى اقتصاد صناعي في أوروبا

فريق التحرير

يالمار شاخت: مهندس المعجزة الاقتصادية الألمانية وصانع أسطورة الحرب

في خضم الكساد الكبير الذي ضرب العالم في أواخر عشرينيات القرن الماضي، وجدت ألمانيا نفسها في وضع اقتصادي متدهور للغاية. تسببت الأزمة المالية العالمية، التي تفاقمت بفعل سحب القروض الأمريكية، في شلل كبير للاقتصاد الألماني، مما أدى إلى إغلاق المصانع، وتزايد حالات إفلاس البنوك، وارتفاع جنوني في معدلات البطالة. عانى المواطن الألماني من واقع مؤلم زاد من تفاقم الفقر واليأس، مما خلق بيئة خصبة لنمو الأفكار المتطرفة.

في هذا السياق، تصف صحيفة “الغارديان” البريطانية تلك الحقبة بأنها كانت أشبه بمشهد سريالي. فمع انهيار قيمة العملة الألمانية، أصبح اللص يفضل سرقة سلة غسيل فارغة بدلاً من حمل الأموال النقدية التي فقدت قيمتها. لا يمكن فهم مآسي الحرب العالمية الثانية، التي خلفت ملايين القتلى وشهدت أفظع الإبادات، دون العودة إلى تلك اللحظة الاقتصادية الفاصلة التي مهدت الطريق نحو الصراع العالمي.

جغرافيا الانهيار الاقتصادي

وفقًا لسجلات موسوعة “دائرة المعارف البريطانية”، كان الوضع الاقتصادي والاجتماعي في ألمانيا خلال الفترة من نهاية عام 1929 وحتى صعود النازية كارثياً. انخفضت الأجور إلى مستويات متدنية، وأصبحت إفلاسات الشركات والمؤسسات أمراً معتاداً، وتراجعت التجارة الخارجية إلى مستويات غير مسبوقة. شكل انهيار “بنك دارمشتات الوطني” في صيف عام 1931 ضربة قاصمة للثقة في النظام المصرفي بأكمله.

بحلول شتاء عام 1932، بلغ الوضع حد الكارثة. تجاوز عدد العاطلين عن العمل ستة ملايين شخص، أي ما يعادل 25% من القوى العاملة. كانت مخزونات المواد الخام قد استنفدت، وأصبحت ألمانيا غارقة في ديون التعويضات الحربية بعد الحرب العالمية الأولى، مع اقتراب احتياطياتها من الذهب والنقد الأجنبي من الصفر. كانت البلاد مفلسة بكل معنى الكلمة.

رغم الفظائع التي ارتكبها النظام النازي لاحقاً، والتي لا تزال محفورة في ذاكرة العالم، إلا أن هناك سؤالاً جوهرياً يتردد في الأروقة الاقتصادية والسياسية: كيف استطاع هذا النظام، بعيداً عن سجله الإجرامي، أن ينقل ألمانيا من حالة “الموت السريري” الاقتصادي إلى دولة صناعية صاعدة في سنوات معدودة؟ كيف اختفت البطالة؟ وكيف عادت المصانع لإنتاج آلة حرب هددت العالم؟

يكمن جزء من سر هذا التحول الاقتصادي الكبير في دور رجل ترتبط به هذه التحولات بشكل وثيق، وهو خبير الاقتصاد يالمار شاخت.

يالمار شاخت: ساحر الاقتصاد المغمور

في الرابع من يونيو/حزيران عام 1970، نشرت صحيفة نيويورك تايمز نعياً مقتضباً للدكتور يالمار شاخت، الذي وصفته بأنه “مرشد السياسات الاقتصادية لأدولف هتلر”، وتوفي عن عمر يناهز 93 عاماً. شغل شاخت منصب رئيس البنك المركزي الألماني (Reichsbank) ثم وزير الاقتصاد في حكومة هتلر.

ولد شاخت عام 1877، وتخصص في دراسة الاقتصاد. بدأ مسيرته المصرفية في “بنك دريسدنر” عام 1903، وسرعان ما تقدم في حياته المهنية، ليصبح عضواً في مجلس إدارة البنك الوطني الألماني.

خلال الحرب العالمية الأولى، شارك شاخت في تنظيم التمويلات في بلجيكا المحتلة. وعاد نجمه للسطوع مجدداً خلال أزمة عام 1923 الاقتصادية، حيث كان التضخم يدمر العملة الألمانية. عين شاخت مفوضاً للعملة، وتمكن من احتواء التضخم عبر سياسة نقدية مبتكرة، مصدرًا عملة “الرنتنمارك” المستندة إلى الرهن العقاري، مما أكسبه سمعة “ساحر الاقتصاد”.

في بداية الثلاثينيات، ومع ازدراء شاخت لضعف الديمقراطية البرلمانية في جمهورية فايمار ويأسه من قدرتها على إدارة الأزمات، بدأ ينجذب نحو اليمين المتطرف. رأى شاخت إمكانية توظيف صعود هتلر لاستعادة عظمة ألمانيا، فساهم في تقديمه للنخبة الصناعية والمالية، وتولى وزارة الاقتصاد عام 1934 ليصبح العقل المدبر للاقتصاد النازي.

أصبح شاخت مسؤولاً عن برامج إعادة التسليح الوطنية ومكافحة البطالة. ومع ذلك، أدت اعتراضاته على بعض سياسات هتلر، بالإضافة إلى تنافسه مع هيرمان غورينغ، إلى الإطاحة به من منصبه وسجنه لفترة بعد محاولة اغتيال هتلر.

الخدعة التي صنعت المعجزة الاقتصادية

أدرك النازيون أن بقاء نظامهم مرهون بتوفير الخبز والعمل. كانت المعضلة هي كيفية تمويل مشاريع ضخمة للقضاء على البطالة وإعادة بناء الجيش لدولة مفلسة وممنوعة من الاقتراض الدولي.

هنا برز دور شاخت وخطته “ميفو” (Mefo bills). نظراً لأن طباعة النقود التقليدية كانت ستؤدي إلى تضخم كارثي، ولأن إعادة التسليح كانت ممنوعة بموجب معاهدة فرساي، ابتكر شاخت نظام “الدفع المؤجل” عبر شركة وهمية.

أسس شاخت ورفاقه “الشركة الألمانية لأبحاث المعادن” (Mefo). لم تكن هذه الشركة تمتلك مصانع أو تنتج شيئاً، بل كانت مجرد كيان قانوني وهمي يصدر “كمبيالات” أو سندات إذنية مضمونة من الدولة الألمانية. سمحت هذه السندات للحكومة بشراء الأسلحة بشكل سري، وتداولتها الشركات كعملة موازية.

من خلال هذا النظام، حقق شاخت ثلاثة أهداف: تمويل إعادة التسليح سراً، خلق سيولة نقدية دون التسبب في تضخم، ودفع عجلة المصانع إلى الدوران، مما أدى إلى تراجع البطالة بحلول عام 1936. تحولت ألمانيا إلى ورشة عمل، فيما بدا كمعجزة اقتصادية.

بخلاف ما تروجه الدعاية النازية حول مشروع “الأوتوبان” كسبب رئيسي للقضاء على البطالة، فإن هذا المشروع كان موجوداً قبل النازيين. ما فعله شاخت وهتلر هو تسريع التنفيذ وتوظيفه دعائياً وعسكرياً. كما أن المشروع وفر عدداً محدوداً من فرص العمل، بينما جاء التأثير الأكبر من التوسع في الصناعات العسكرية وتطبيق “الخدمة العمالية الإلزامية” التي قيدت حرية العمال مقابل الأمان الوظيفي.

ساحر الاقتصاد يصطدم بهتلر

نجحت خطة شاخت في توليد سيولة ضخمة وإنفاق هائل دون انتهاك معاهدة فرساي أو التسبب في تضخم فوري، مع تحقيق توازن ظاهري بين السلع والعرض النقدي. لكن هذه الخطة كانت غير مستدامة خارج نطاق الاقتصاد الحربي، واعتمدت على معسكرات العمل القسرية.

بحلول عام 1936، رأى شاخت أن مهمته قد اكتملت. حاول تحذير هتلر من الاستمرار في برنامج “ميفو” والعودة إلى الاقتصاد المدني، لكن هتلر كان يسعى للهيمنة العسكرية. أدى هذا الاختلاف إلى صدام حتمي.

همش هتلر شاخت تدريجياً وعين مكانه هيرمان غورينغ، الذي حول الاقتصاد الألماني بالكامل إلى اقتصاد حرب. استقال شاخت من وزارة الاقتصاد عام 1937، وطُرد من رئاسة البنك المركزي عام 1939.

مع اندلاع الحرب، أصبح شاخت منتقداً للنظام، وتم اعتقاله بعد محاولة اغتيال هتلر الفاشلة في عام 1944، ليقضي فترة في معسكرات الاعتقال.

بعد سقوط الرايخ الثالث، اتُهم شاخت أمام المحكمة الدولية في نورمبرغ. ورغم مطالبة الادعاء السوفياتي بإعدامه، دافع شاخت عن نفسه بذكاء، مؤكداً أنه كان مجرد مصرفي يحاول بناء بلده، وأنه فقد سلطته قبل بدء الحرب. حصل على البراءة، وهو حكم أثار جدلاً واسعاً.

بعد خروجه من السجن، عمل شاخت مستشاراً مالياً للعديد من الدول، إلا أن تاريخه في خدمة النظام النازي ظل وصمة عار، ولم تسمح له بتوسيع أفكاره الاقتصادية.

ما التالي؟

يبقى دور يالمار شاخت في التحول الاقتصادي لألمانيا النازية موضوعاً للجدل التاريخي. بينما يشير البعض إلى قدرته على النهوض باقتصاد منهار، يرى آخرون أن إسهاماته مهدت الطريق للحرب وفظائعها. يستمر النقاش حول كيفية تقييم هذا الدور المعقد، خاصة في ظل غياب سوابق مماثلة في التاريخ الاقتصادي الحديث.

شارك المقال
اترك تعليقك