يُعد مخيم الهول، الواقع على أطراف ريف الحسكة شمال شرقي سوريا، أحد أكثر رموز الحرب السورية تعقيدًا. فقد تحوّل المخيم، الذي أُنشئ في تسعينيات القرن الماضي لاستقبال اللاجئين العراقيين، إلى عقدة إنسانية وأمنية شائكة، تتداخل فيها الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية، بينما يلف الغموض مصير آلاف القاطنين فيه.
تزايدت تعقيدات المخيم بشكل جذري بعد عام 2019، مع تدفق أعداد كبيرة من النساء والأطفال، لا سيما عائلات مقاتلين سابقين، إلى جانب نازحين سوريين وعراقيين. وأدى ذلك إلى توسيع نطاق التحديات المتعلقة بإدارته وأمنه، مما جعله بؤرة اهتمام إنساني ودولي.
نقل العائلات والمصير المجهول
تولت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الإشراف الأمني والإداري على المخيم بدعم دولي، إلا أن التحولات المتلاحقة في المشهد السوري، بما في ذلك عودة مؤسسات الحكومة السورية إلى بعض المواقع في الحسكة، أثرت على إدارة ملفات الموقوفين والنازحين. وتترافق هذه التحولات مع نقاشات متجددة حول آليات الاحتجاز، وإجراءات التدقيق الأمني، ومسارات إعادة التوطين أو الإعادة إلى البلدان الأصلية، في ظل غياب مقاربة موحدة لحسم مصير المقيمين.
شهدت الفترة الأخيرة نقل وإعادة عدد من العراقيين من مخيم الهول إلى العراق، بالتنسيق بين الجهات المعنية في البلدين. وقد تم نقل عائلات إلى مخيمات مخصصة داخل الأراضي العراقية تمهيدًا لإعادة دمجهم، وفقًا للسلطات العراقية. لكن هذه الإجراءات لم تشمل جميع المقيمين، ولا تزال أعداد كبيرة من النساء والأطفال في المخيم بانتظار تسويات تحدد مستقبلهم.
تعيش آلاف العائلات أوضاعًا معيشية صعبة في ظل تعقيدات الإدارة وتبدل الجهات المشرفة واستمرار الإجراءات الأمنية. وتتزايد المطالبات بإيجاد حل شامل يوازن بين المتطلبات الإنسانية والاعتبارات الأمنية، وإنهاء حالة الانتظار المفتوح التي يعيشها المقيمون.
الحياة في المخيم: معاناة مستمرة
تصف فاطمة، إحدى المقيمات في مخيم الهول، معاناة مستمرة امتدت لسنوات، مؤكدة التزام النساء بالإجراءات المطلوبة دون أن ينعكس ذلك على تحسن أوضاعهن. وأشارت إلى أن إقامتهن تجاوزت 8 سنوات دون خطوات عملية تنهي معاناتهن أو توضح مصيرهن، مع مطالبات بإثبات تحرك في ملفاتهن في ظل افتقارهن للوثائق.
تضيف فاطمة، وهي أم لخمسة أطفال من مدينة حلب، أن معظم أبنائها ولدوا خارج المخيم. وتصف الحياة اليومية بأنها “شديدة القسوة” في ظل نقص الموارد، وغياب الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم، فيما بات الضغط النفسي والشعور بالإهانة جزءًا من الواقع اليومي.
وتصف عائشة، وهي سيدة أخرى محتجزة، المخيم بأنه “أقرب إلى بيئة احتجاز مغلقة تفتقر لأبسط مقومات الحياة الكريمة”، مشيرة إلى أن من يصفه بالمخيم لم يعايش قسوة الظروف اليومية.
حملات أمنية وتحديات إنسانية
تؤكد عائشة أنها عاشت سنوات طويلة وسط حملات أمنية متكررة وعمليات تفتيش عنيفة، أسفرت عن إتلاف الخيام ومحتوياتها، وتركت آثارًا نفسية وجسدية عميقة. وقد أعرب أقارب لها زاروها مؤخرًا من محافظة إدلب عن صدمتهم من حجم المعاناة.
تنحدر عائشة من مدينة معرة النعمان، وتقول إنها موجودة في المخيم منذ 6 أو 7 سنوات دون شعور بالاستقرار أو الأمان، بعد أن نُقلوا قسرًا إليه. وتشير إلى أن المساعدات الغذائية لا تصل بانتظام، وغالبًا لا تُسلّم بالكميات الكاملة، مع نقص في مواد أساسية مثل الزيت ووسائل التدفئة، مما يضاعف المعاناة، خاصة في فصل الشتاء.
تختم عائشة بالتأكيد على أن سنوات الاحتجاز الطويلة، ونقص المساعدات، وصعوبة الظروف، جعلت الحياة داخل المخيم مرهقة للغاية، داعية إلى تحرك جاد لوضع حد لمعاناة مستمرة منذ أعوام.
ماذا بعد؟
يظل مصير آلاف النساء والأطفال في مخيم الهول معلقًا، بانتظار حلول تتجاوز الإجراءات الإدارية والأمنية الروتينية. وتبرز الحاجة الماسة لمقاربة دولية شاملة تعالج الأزمة الإنسانية والأمنية في آن واحد، مع تحديد آليات واضحة لإعادة التأهيل أو الإعادة إلى بلدانهم الأصلية، مع ضمان عدم تفاقم الوضع الإنساني.