مبشرون أم جواسيس.. لماذا تطارد الصين أعضاء كنيسة صهيون؟

فريق التحرير

شنّت السلطات الصينية حملة أمنية مكثفة استهدفت مؤخرًا قساوسة وأعضاء كنيسة صهيون، وهي واحدة من أكبر التجمعات البروتستانتية غير المسجلة في البلاد. اقتحمت الشرطة منازل عدد من القساوسة، بما في ذلك القس جين مينغري، الملقب بـ”عزرا جين”، راعي الكنيسة، في عدة مدن صينية، وتم اعتقال حوالي 30 شخصًا بتهم تتعلق بـ”الاستخدام غير القانوني لشبكات المعلومات”.

جاءت هذه الاعتقالات في سياق سياسة الحكومة الصينية الصارمة تجاه الأنشطة الدينية غير المرخصة، والتي تعتبرها تهديدًا للأمن القومي والاستقرار الاجتماعي. ومع أن الدستور الصيني يكفل حرية المعتقد، إلا أن ممارسته علنًا تتطلب التسجيل لدى الحكومة والخضوع لرقابتها. يعتبر أي نشاط خارج هذا الإطار، بما في ذلك العبادة المنزلية أو الوعظ عبر الإنترنت، “غير مشروع”.

كنيسة صهيون: صعود وخطر في نظر بكين

تُعد كنيسة صهيون، التي أسسها جين مينغري، لاعباً بارزًا في مشهد الكنائس المنزلية الصينية. برزت هذه الكنائس كبديل للمؤسسات الدينية الرسمية، وغالبًا ما تتجاوز القيود الحكومية. وقد شهدت هذه الكنائس نموًا ملحوظًا، خاصة خلال جائحة كوفيد-19، حيث استخدمت الفضاء الرقمي للتواصل وتوسيع شبكاتها بعيدًا عن أعين السلطات.

في هذا السياق، تنظر بكين إلى النشاط الديني غير الرسمي، خاصة عند ارتباطه بشبكات خارجية، على أنه “حصان طروادة” قد يُستخدم لاختراق البنية الاجتماعية للدولة. تعكس هذه الرؤية قلق الصين من استخدام التبشير الديني كأداة للتأثير السياسي والاجتماعي، مستلهمة من التاريخ الطويل للغرب في هذا المجال.

تاريخ من الشك: التبشير و”قرن الإذلال”

تترسخ هذه المخاوف الصينية في ذاكرة تاريخية مرتبطة بفترة “قرن الإذلال” (منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين)، حين ارتبط المبشرون الغربيون بالنفوذ الإمبريالي. يُنظر إلى المبشرين في الوعي التاريخي الصيني ليس فقط كدعاة روحانيين، بل كجزء من منظومة استعمارية سعت لإحداث تحولات ثقافية واجتماعية عميقة، مما أدى إلى فقدان السيادة الصينية.

لم يقتصر الأمر على النفوذ الثقافي، بل تضمن نظام “المعاهدات غير المتكافئة” الذي منح المبشرين والمتحولين الصينيين امتيازات قانونية على حساب القانون الصيني. هذا الوضع، الذي وصف بأنه خلق “دولة داخل الدولة”، عمّق الشكوك حول نوايا الجهات الخارجية وارتباطاتها السياسية والاقتصادية.

من “الملاكمين” إلى ماو: تأميم الدين

بلغت مشاعر الغضب الشعبي ذروتها في “ثورة الملاكمين” (1899-1901)، التي استهدفت الوجود الأجنبي والمسيحي على حد سواء. وبعد هزيمة الصين وتدخل القوى الغربية، أرثّت الصين الشيوعية بقيادة ماو تسي تونغ إرثًا ثقيلًا من الشك والريبة تجاه النفوذ الخارجي، مما أدى إلى طرد المبشرين وتأسيس حركة “الذوات الثلاث المسيحية الوطنية” بهدف قطع الارتباطات الخارجية.

يستمر هذا الإدراك في تشكيل سياسة الصين تجاه الأنشطة الدينية، خاصة مع انتقال التبشير إلى الفضاء الرقمي، حيث أدوات التأثير أكثر انتشارًا وأقل قابلية للقيود.

المأمورية العُظمى في زمن الخوارزميات: التبشير الرقمي كتهديد

فتحت الإنترنت آفاقًا جديدة للتبشير الديني، حيث أصبح انتشار المحتوى الديني عبر الإنترنت أمرًا شائعًا. يرى باحثو “اللاهوت الرقمي” أن التكنولوجيا حولت التبشير من مهمة نخبوية إلى نشاط “لامركزي” يمارسه ملايين المؤمنين. هذا التحول يجعل الممارسة الدينية أكثر فردانية وأقل خضوعًا للضبط المؤسسي، وأكثر ارتباطًا بالشبكات الاجتماعية المرنة.

تتزايد المخاوف الصينية من أن يتم توظيف التبشير الرقمي كأداة لاختراق مجتمعات أخرى وإعادة تشكيل ولاءات المواطنين بعيدًا عن الدولة. يشير التاريخ إلى أن وكالات الاستخبارات الغربية، مثل الـ “سي آي إيه”، قد استخدمت الغطاء الديني سابقًا للتجسس وتجنيد المخبرين وتنفيذ عمليات دعائية.

في ظل التوترات الجيوسياسية الحالية، لا تنظر بكين إلى هذه الشبكات الدينية على أنها مجرد “جيوب عقائدية” ذات ولاءات عابرة للحدود، بل كتهديد أمني مباشر. إن القدرة على التواصل المشفر وبناء حاضنات اجتماعية عبر الإنترنت يمكن أن تجعل هذه الشبكات منصات للنفوذ الغربي وأدوات لزعزعة الاستقرار الداخلي في حال اشتداد الصراع.

ما التالي؟ تستمر السلطات الصينية في تشديد قبضتها على الأنشطة الدينية غير المرخصة، خاصة تلك التي تستغل الفضاء الرقمي. من غير الواضح ما إذا كانت هذه الحملات ستؤدي إلى مزيد من القمع للمجتمعات الدينية غير الرسمية، أو ما إذا كانت ستؤدي إلى زيادة في المقاومة الداخلية أو الخارجية. سيظل التوازن بين حرية المعتقد والسيطرة الحكومية مجالًا متقلبًا لمراقبة التطورات المستقبلية.

شارك المقال
اترك تعليقك