تكشف وثائق مسربة عن شبكة معقدة استخدمها الممول الأمريكي الراحل جيفري إبستين، بالتعاون مع مسؤولين رفيعي المستوى، لتصدير تقنيات المراقبة السيبرانية الإسرائيلية إلى دول مختلفة. هذه الشبكة، التي عملت بالتوازي مع القنوات الرسمية، قامت بتوظيف علاقات شخصية ومالية لتمهيد الطريق لشركات إسرائيلية ناشئة في مجال الأمن السيبراني، مما يثير تساؤلات حول دور إسرائيل في تسهيل تصدير هذه التقنيات الخطرة.
في أكتوبر 2015، وقعت مجموعة “إدموند دي روتشيلد” عقدًا بقيمة 25 مليون دولار مع شركة “ساوثرن ترست” للاستشارات المالية. اللافت أن “ساوثرن ترست” كانت واجهة مالية لجيفري إبستين. وفي نفس العام، استثمرت إحدى شركات إبستين في شركة إسرائيلية ناشئة كانت تُعرف آنذاك باسم “ريبورتي” (والآن “كارباين”)، وهي متخصصة في تقنيات الاستجابة للطوارئ والمراقبة. ويشغل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك منصب المستثمر ورئيسها التنفيذي. وتجدر الإشارة إلى أن “كارباين” استحوذت عليها شركة “أكسون” الأمريكية في نوفمبر 2025 مقابل 625 مليون دولار.
أمراء الحرب السيبرانية
تمتلك إسرائيل آلية رسمية لتصدير تقنيات الدفاع والمراقبة، تخضع لقانون مراقبة الصادرات الدفاعية لعام 2007. يتطلب القانون الحصول على تراخيص خاصة من هيئة مراقبة الصادرات الدفاعية (DECA) لكل صفقة. وعلى سبيل المثال، تُصنف برمجية التجسس “بيغاسوس” (Pegasus) كسلاح سيبراني، ويتطلب بيعها موافقة وزارية منفصلة.
لكن القانون يحتوي على ثغرة تسمح بتجاوز الاعتبارات المتعلقة بالخصوصية وحقوق الإنسان إذا اقتضت “المصالح الدبلوماسية أو الأمنية” ذلك. وتُعد قائمة الدول والمنتجات المصرح بتصديرها سرية، وقد توسعت بشكل كبير منذ عام 2019 دون إفصاح علني.
على الصعيد الدولي، تهدف “اتفاقية واسينار” إلى تنظيم تجارة أدوات المراقبة السيبرانية، حيث أضافت برمجيات الاختراق وأنظمة مراقبة شبكات الإنترنت إلى قوائم الحظر في عام 2013. ورغم ذلك، فإن فعالية الاتفاقية محدودة نظرًا لعدم إلزاميتها وكون إسرائيل ليست عضواً فيها، مما يتيح لها العمل خارج إطارها الرقابي.
تتناقض ممارسات إسرائيل المعلنة مع ادعاءاتها بالالتزام بالمعايير الحقوقية. فقد استخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذه الأدوات علنًا كأداة ضغط دبلوماسية، مما يشير إلى أن القناة الرسمية لتصدير تقنيات المراقبة تخضع للحسابات السياسية والمصالح المتبادلة أكثر من أي اعتبارات حقوقية.
تكشف وثائق جيفري إبستين عن وجود قنوات خلفية بديلة لتصدير تقنيات المراقبة السيبرانية الإسرائيلية. تعتمد هذه القناة على ثلاثة أركان أساسية: وسيط يتمتع بشبكة وصول واسعة إلى النخب المالية والسياسية (جيفري إبستين)، ومسؤول دولة سابق يمنح المصداقية العسكرية والاستخباراتية (إيهود باراك)، وطبقة مالية تتمثل في البنوك الخاصة أو المؤسسات الدولية.
الوسيط: جيفري إبستين
لم يكن جيفري إبستين مجرد ممول ثري، بل كان وسيطًا يتحرك عند تقاطع رأس المال والسلطة والتكنولوجيا، ويتمتع بوصول متزامن إلى نخب متعددة. فقد عمل على ربط شخصيات مؤثرة ببعضها البعض، مثل دوره في تشجيع إيهود باراك على التواصل مع بيتر ثيل، مؤسس شركة “بالانتير” (Palantir) لبيانات الاستخبارات، وهو أحد أبرز المستثمرين في تقنيات المراقبة الحكومية.
لم يقتصر دور إبستين على الاستثمار في التقنيات السيبرانية الإسرائيلية، بل سعى جاهدًا لعرضها على صناديق الاستثمار الأمريكية المتخصصة. على سبيل المثال، نجح في عرض شركة “ريبورتي” (لاحقًا “كارباين”) على صناديق استثمارية شارك بيتر ثيل في تأسيسها، مما أدى إلى تمويل الجولة الثانية للشركة.
كان إبستين ينسق تلك الاتصالات بعناية، مختارًا التوقيت والسياق المناسبين. وقد أظهرت تحقيقات لجنة المالية في مجلس الشيوخ أن حساباته أجرت آلاف التحويلات المالية بقيمة تزيد عن مليار دولار، مما يكشف عن بنية مالية قادرة على تمويل صفقات الاستثمار في شركات المراقبة السيبرانية الإسرائيلية.
المسؤول: إيهود باراك
وفر إيهود باراك، بصفته رئيس وزراء ورئيس أركان ووزير دفاع سابق، المصداقية اللازمة لهذه العمليات. فقد كان حضوره كافياً لمنح الصفقة وزناً دولياً، حتى لو لم يكن يشغل منصباً رسمياً.
بعد مغادرته الحكومة، انتقل باراك بسرعة إلى العمل كمستشار استراتيجي لبنك “جوليوس باير” السويسري، مما يوفر له غطاءً مهنياً ودفقاً مالياً ثابتاً لتغطية تكاليف اتصالاته وعلاقاته.
اكتشف باراك وإبستين كيف يمكن استغلال الاضطرابات السياسية والاقتصادية لتحقيق مكاسب مالية، كما يتضح من مراسلاتهما الإلكترونية التي ناقشت إمكانية الاستفادة من الأزمات الإقليمية.
رأس المال: البنوك الخاصة
لعبت البنوك الخاصة، مثل “جوليوس باير”، دوراً مهماً في توفير البنية التحتية المالية لهذه الصفقات. ورغم صعوبة ربط تلك البنوك مباشرة بتجارة الأسلحة، إلا أنها وفرت هياكل قانونية تفصل بين مصدر المال ووجهته، وتحول العمولات إلى أتعاب مهنية، مما يسهل حركة الأموال بعيداً عن الرقابة.
أظهرت الصفقة بين “إدموند دي روتشيلد” و”ساوثرن ترست” تزامناً مثيراً للشكوك مع استثمارات إبستين في شركات المراقبة الإسرائيلية، مما يثير تساؤلات حول احتمالية تورط بنوك سويسرية أخرى في تمويل هذه العمليات.
كانت هذه المنظومة، التي جمعت بين الوسيط (إبستين)، والمسؤول (باراك)، ورأس المال (البنوك الخاصة)، تعمل كوحدة متكاملة لتصدير التقنيات السيبرانية الإسرائيلية عبر قنوات غير رسمية، تتمتع بمرونة السوق السوداء وكفاءة القنوات الرسمية، ولكن دون خضوع لأي رقابة.
مهمة أبيدجان
في عام 2012، بعد زيارة رسمية للرئيس الإيفواري الحسن واتارا إلى إسرائيل، بدأت اتصالات غير رسمية بين إبستين وعائلة واتارا، بالتوازي مع جهود باراك لتقديم مقترحات أمنية. وتشير رسائل البريد الإلكتروني إلى عقد اجتماعات خاصة في نيويورك بين إبستين وعائلة واتارا، بينما كان باراك يبحث عن اتفاقيات أمنية.
بعد رفع حظر الأسلحة عن ساحل العاج في أبريل 2014، سارعت إسرائيل بتوقيع اتفاقية ثنائية للدفاع والأمن الداخلي، رافقها أكثر من 50 رجل أعمال إسرائيلي لتقييم فرص الاستثمار.
أدت هذه القناة غير الرسمية، التي سبقت القناة الرسمية، إلى استخدام برمجية “بيغاسوس” للتجسس داخل ساحل العاج، حسبما رصدت وحدة أبحاث “مختبر المواطن” (Citizen Lab) في عام 2018.
قصة مانغوليا
في عام 2013، سافر إيهود باراك إلى منغوليا للقاء الرئيس وعدد من المسؤولين، مستخدمًا غطاء استكشاف فرص تجارية. بالتوازي، نسق جيفري إبستين التحركات من نيويورك، بما في ذلك اجتماعات مع باراك ووزير الخارجية المنغولي.
استخدمت الشبكة معهد السلام الدولي (International Peace Institute) كغطاء مؤسسي، حيث شكل فريقاً استشارياً ضم شخصيات دولية بارزة، بقيادة الدبلوماسي النرويجي تيرييه رود لارسن. وقدم باراك مذكرة عسكرية مفصلة تحمل شعار الدولة الإسرائيلية، رغم مغادرته المنصب الحكومي.
أدت هذه الجهود إلى اتفاقية أمنية بين إسرائيل ومنغوليا، تضمنت التعاون في خدمات الطوارئ واستخدام تقنيات إسرائيلية متقدمة. وبعد الكشف عن تلقي رود لارسن قرضاً شخصياً من إبستين، اضطر للاستقالة من رئاسة المعهد، مؤكداً الدور الخفي لهذه الشبكة في تصدير تقنيات المراقبة الإسرائيلية.
تبقى المعلومات حول مدى تورط الحكومة الإسرائيلية في هذه القنوات الخلفية غير واضحة، ولكن طبيعة هذه العمليات تشير إلى احتمال وجود تنسيق أو على الأقل علم من قبل الجهات الرسمية، باعتبارها المصدر الأساسي لهذه التقنيات. إن ارتباط إبستين بإسرائيل وصناعتها الأمنية لا يزال يشكل موضوعاً للكشف، وما نعلمه قد يكون مجرد قمة جبل جليدي.