“سنفعل شيئًا ما بشأن غرينلاند سواء أعجبهم ذلك أم لا. لأنه إذا لم نفعل ذلك، فستستولي روسيا أو الصين على غرينلاند، ولن تكون روسيا أو الصين جارتينا”. هذا ما قاله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصحفيين في البيت الأبيض في 9 يناير/كانون الثاني، معربًا عن طموحه في ضم غرينلاند إلى السيادة الأمريكية، ولوح بإمكانية استخدام القوة لتحقيق ذلك.
هذه التصريحات، التي جاءت بعد أيام من “اختطاف” الولايات المتحدة لرئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، فتحت الباب أمام تكهنات حول خطوات واشنطن المستقبلية في مناطق أخرى من العالم، بما فيها غرينلاند. وعلى الرغم من تخفيف ترامب لغته لاحقًا، مشيرًا إلى إطار اتفاق مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) لمناقشة منع زيادة وصول روسيا والصين إلى منطقة القطب الشمالي، إلا أنه أكد أن المفاوضات تهدف أساسًا إلى نقل السيادة على الجزيرة إلى الولايات المتحدة.
لا يمكن فصل هذه التطورات عن العقيدة الأمنية الأمريكية الجديدة التي تعيد إحياء مبدأ مونرو وتوسعه ليشمل مناطق النفوذ في الجوار الأمريكي، بما في ذلك مصالح واشنطن في المحيط المتجمد الشمالي في مواجهة روسيا والصين. وتبرز جزيرة غرينلاند، بما تحويه من ممرات شحن قطبية وموارد ضخمة، كمسرح محتمل لهذا الصراع.
مختصر تاريخ القطب الشمالي
يعود تاريخ الاهتمام بالقطب الشمالي إلى العصور القديمة، لكن الاستكشاف الأوروبي للمنطقة بدأ بشكل جدي خلال القرن الخامس عشر بحثًا عن طرق تجارية جديدة. بحلول سبعينيات القرن الثامن عشر، وصل المستكشف الإنجليزي صمويل هيرن إلى المحيط المتجمد الشمالي سيرًا على الأقدام. مع توسع الإمبراطورية الروسية في القرن الثامن عشر، أصبحت مساحة واسعة من أراضيها مطلة على القطب الشمالي.
في عام 1821، أعلن القيصر الروسي ألكسندر الأول أن 100 ميل بحري من الساحل الشمالي الغربي لأمريكا الشمالية هي مياه إقليمية روسية. في ذلك الوقت، كانت ولاية ألاسكا الأمريكية لا تزال تابعة للإمبراطورية الروسية. سعت روسيا من خلال هذا المرسوم لتعزيز مكانة صياديها وتجارها في ألاسكا، ولكنها تراجعت عن تطبيقه لاحقًا إثر احتجاجات رسمية من بريطانيا وواشنطن.
ردًا على ذلك، وفي عام 1823، أعلن الرئيس الأمريكي جيمس مونرو عن “مبدأ مونرو” الذي أكد على رفض التدخل الأوروبي في شؤون الأمريكتين. نجح هذا المبدأ في دفع روسيا إلى التفاوض لتحديد حدودها، لا سيما قبل بيعها ألاسكا للولايات المتحدة في عام 1867 مقابل 7.2 مليون دولار. أمن هذا الشراء للولايات المتحدة موطئ قدم في القطب الشمالي، وهي فائدة ستصبح ذات قيمة استراتيجية لا تقدر بثمن لاحقًا.
صراع بلا قوانين
لا يزال الوضع القانوني الدولي للقطب الشمالي غير واضح، ويعود ذلك إلى اختلاف المناهج في تعريفه. يمكن اعتباره بحرًا مفتوحًا، أو مجموعة من الأراضي الوطنية للدول الخمس المجاورة للقطب: روسيا، كندا، الولايات المتحدة، النرويج، والدنمارك. وضعت كندا في عام 1909 سيادتها على أراضٍ وجزر واقعة غرب غرينلاند.
في عام 1926، اقترح الاتحاد السوفيتي تقسيم منطقة القطب الشمالي إلى قطاعات، استنادًا إلى خطوط تمتد من القطب إلى الحواف الشرقية والغربية للساحل الشمالي لكل دولة. يهدف هذا التقسيم إلى استبعاد هذه المناطق من القانون البحري الدولي وإخضاعها لسيطرة الدول. في البداية، لم يلق هذا المبدأ اعتراضًا كبيرًا بسبب قلة الاهتمام بالمنطقة، لكن الوضع تغير مع ذوبان الجليد وظهور تقنيات جديدة.
الدول غير القطبية مثل فنلندا والسويد والصين ترى أن سياسة الدول القطبية لتقسيم المنطقة فيما بينها هي سياسة قصيرة النظر. تعتبر هذه الدول موارد القطب الشمالي ملكية مشتركة للبشرية، ويجب تطويرها في إطار دولي واسع. هذا التباين في وجهات النظر يحول المنطقة إلى ساحة تنافس عالمي، خاصة فيما يتعلق باستخراج الموارد.
عسكرة الجليد
على الرغم من أن “العسكرة” قد اجتاحت معظم أنحاء العالم، إلا أن القطب الشمالي تأخر نسبيًا في هذه العملية. ومع ذلك، شهد العقد الأخير تصاعدًا في محاولات عسكرة المناطق المتجمدة. تواجه محاولات بناء بنية تحتية عسكرية متطورة في القطب الشمالي قيودًا، مثل ضعف البنية التحتية الأمريكية ونقص حاد في كاسحات الجليد مقارنة بروسيا والصين.
يمثل القطب الشمالي منطقة مرشحة لنشر القوات النووية الاستراتيجية، مما يزيد من خطر حدوث عواقب كارثية في حال نشوب نزاع. يضاف إلى ذلك انتهاء صلاحية معاهدة الحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية (نيو ستارت) بين الولايات المتحدة وروسيا، وفشل المفاوضات حول تمديدها.
يقف القطب الشمالي على مفترق طرق، حيث تتيح المنطقة إمكانات هائلة للتعاون الدولي، لكن التسلح والطموحات الجيوسياسية تزيدان من خطر المواجهة. على الرغم من أن احتمال نشوب صراع عسكري تقليدي واسع النطاق يبدو منخفضًا، إلا أن المنافسة قد تتخذ شكل “المناطق الرمادية” والسيناريوهات الهجينة مثل الضغوط الاقتصادية والهجمات السيبرانية.
غرينلاند.. مجددا
تبرز غرينلاند اليوم كنقطة اهتمام رئيسية في الصراع القطبي، كدليل على النوايا الأمريكية. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين علق على اقتراح ترامب بضم غرينلاند، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة ستواصل تعزيز مصالحها في المنطقة نظرًا للأهمية الاستراتيجية للجزيرة.
تساءل البعض عما إذا كان هذا الموقف الروسي يعكس اقتناعًا بعدم وجود سبيل لمواجهة التطلعات الأمريكية، أم أنه يهدف إلى الاستفادة من هذا الأمر في مناطق أخرى مثل أوكرانيا. نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري مدفيديف، بسخريته، أشار إلى إمكانية إجراء استفتاء لضم سكان غرينلاند إلى روسيا، في تلميح محتمل لما حدث في القرم ودونباس.
يستبعد الخبراء الروس حاليًا إقدام ترامب على ضم غرينلاند بالقوة، ليس بسبب القانون الدولي، بل بسبب استحالة تنفيذ مثل هذه الخطة عمليًا نظرًا لرفض الدنمارك ومعارضة غالبية سكان الجزيرة. يرى البعض أن أي خطوة كهذه من تر