رحلات متعددة الأجيال.. لماذا تعود العائلة للسفر معا؟

فريق التحرير

لم يعد السفر بالنسبة لكثير من العائلات مجرد فسحة قصيرة للهروب من ضغط العمل أو فرصة عابرة لاكتشاف مدينة جديدة، ففي عالم تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتباعد فيه العائلات جغرافيا، تحول السفر إلى مساحة خاصة ونادرة لإعادة وصل ما قطعته المشاغل، واستعادة لحظات اللقاء التي باتت غائبة عن الروتين اليومي.

وفي عام 2026، تتصدر رحلات العائلة متعددة الأجيال، إلى جانب مفهوم واي-كيشنز (Whycations)، قائمة أبرز اتجاهات السياحة عالميا، وفق تقارير صادرة عن مؤسسات سياحية دولية.

وهذا التحول لا يعكس تغيرا في أنماط السفر فحسب، بل يشير إلى حاجة إنسانية أعمق لإعادة تعريف معنى الرحلة، ودورها في الحياة العائلية.

ما هي رحلات العائلة متعددة الأجيال؟

تعرف رحلات العائلة متعددة الأجيال بأنها الرحلات التي تجمع أكثر من جيل في تجربة واحدة، من الأجداد إلى الأحفاد. ويشمل هذا النمط أحيانا ما يعرف برحلات تجاوز الجيل (Skip-generation travel)، حيث يسافر الأجداد مع الأحفاد دون الآباء.

وبحسب تقرير هيلتون لاتجاهات 2026 (Hilton 2026 Trends Report)، يشهد هذا النوع من السفر نموا متسارعا، مدفوعا برغبة العائلات في قضاء وقت نوعي مشترك، بعيدا عن الالتزامات اليومية وضغوط العمل.

لماذا أصبحت هذه الرحلات ترندا في 2026؟

تشير تقارير نشرتها “يورونيوز” إلى أن سنوات الجائحة وما تلاها دفعت كثيرا من العائلات إلى إعادة تقييم علاقتها بالوقت والأسرة. ومع ازدياد العمل عن بعد والهجرة، باتت اللقاءات العائلية أقل تكرارا، ما جعل الرحلة الجماعية فرصة نادرة للتواصل الحقيقي.

كما يلفت تقرير سكاي سكانر لاتجاهات السفر (Skyscanner Travel Trends) إلى أن ازدحام الجداول اليومية وصعوبة التنسيق بين أفراد الأسرة يحول السفر إلى مساحة مركزة لتعويض غياب اللقاءات اليومية، في حين يرى آخرون في السفر الجماعي خيارا أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية مقارنة بتنظيم رحلات منفصلة لكل فرد.

ما هو مفهوم “واي-كيشنز”؟

برز مصطلح “واي-كيشنز” (Why-cations) في تقارير السياحة الحديثة ليصف السفر القائم على الغاية، لا على الوجهة فقط. ووفق تقرير هيلتون، بات المسافرون يسألون: لماذا نسافر؟ قبل أن يسألوا: إلى أين؟

ويشمل هذا النوع من السفر دوافع مثل:

  • تعزيز الروابط العائلية.
  • الاحتفال بمناسبات خاصة.
  • التعافي النفسي من الإرهاق.
  • صناعة ذكريات ذات قيمة عاطفية.

وترتبط “واي-كيشنز” ارتباطا وثيقا برحلات العائلة متعددة الأجيال، التي غالبا ما تكون مدفوعة بأسباب إنسانية وشخصية عميقة، تتجاوز فكرة الترفيه التقليدي.

فوائد نفسية واجتماعية

تظهر تقارير يورونيوز أن هذه الرحلات تعزز التواصل بين الأجيال، حيث يشارك الأجداد والأحفاد الأنشطة نفسها، ما يتيح نقل القصص والقيم والتجارب الحياتية بشكل غير مباشر.

كما تشير هيئات سياحية، بينها فيزيت نورث كارولاينا (Visit North Carolina)، إلى أن هذا النوع من السفر يترك أثرا طويل الأمد، لأنه يجمع بين التعلم والترفيه والتفاعل الإنساني.

إلى جانب ذلك، تختار بعض العائلات تقليل استخدام الشاشات خلال الرحلة، ما يخفف الضغط الرقمي ويعيد التركيز إلى العلاقات المباشرة.

تحديات الرحلات العائلية

رغم الإقبال المتزايد على هذا النمط من السفر، لا تخلو التجربة من تحديات قد تؤثر في جودة الرحلة إذا لم تدر بوعي.

وأبرز هذه التحديات هو اختلاف الاهتمامات بين الأجيال، فالأطفال يميلون إلى الحركة والأنشطة الترفيهية، بينما يبحث الآباء عن التوازن بين المتعة والراحة، في حين يفضل الأجداد إيقاعا أهدأ.

وتشير تقارير يورونيوز إلى أن فرض برنامج موحد قد يحول الرحلة إلى مصدر توتر ويكمن الحل في التخطيط المرن، عبر دمج أنشطة مشتركة قصيرة، إلى جانب مساحات زمنية تسمح لكل جيل باختيار ما يناسبه.

وتحد آخر يتمثل في تفاوت القدرات الجسدية، خاصة في الرحلات التي تضم كبار سن أو أطفالا صغارا وتنصح فيزيت نورث كارولاينا باختيار وجهات توفر بنية تحتية مرنة ومسارات قصيرة وأنشطة اختيارية يمكن الانسحاب منها دون التأثير على البرنامج العام.

كما تبرز إدارة الوقت كعامل حساس، إذ تختلف عادات النوم والاستيقاظ بين الأجيال، ووفق تقرير هيلتون، تعتمد العائلات الناجحة في هذا النوع من السفر جداول مرنة، وتتيح حرية الحركة الفردية مع الالتقاء في محطات أساسية مثل الوجبات أو الأنشطة الجماعية.

ولا تقل أهمية الخصوصية والمساحة الشخصية، خصوصا في الرحلات الطويلة، فاختيار أماكن إقامة تتيح مساحات منفصلة نسبيا يخفف الاحتكاك ويحافظ على جودة العلاقة طوال الرحلة.

وجهات تناسب السفر متعدد الأجيال

تظهر بيانات يورونيوز أن العائلات تميل إلى اختيار وجهات توفر تنوعا في الأنشطة، مثل دول البحر المتوسط ومدن متعددة الثقافات كدبي وكاليفورنيا، إضافة إلى وجهات طبيعية تضم شواطئ وحدائق وطنية ومواقع تراثية تناسب مختلف الأعمار.

وفي عالم يزداد فيه الضغط الرقمي وتسارع الحياة، تبدو رحلات العائلة متعددة الأجيال والسفر القائم على الغاية، محاولة لاستعادة المعنى الإنساني للسفر.

فبحسب توصيف يورونيوز، لم تعد الرحلة هدفا بحد ذاتها، بل وسيلة لإعادة بناء الروابط داخل العائلة. ومع توجه السياحة العالمية في 2026 نحو التجارب الهادفة، تعود العائلة لتكون في قلب الرحلة، لا على هامشها.

شارك المقال
اترك تعليقك