القاهرة – تتجه مصر إلى تسجيل رقم قياسي جديد في قطاع السياحة، مع توقعات باستقبال أكثر من 21 مليون سائح خلال العام الجاري، استمرارًا للأداء القوي الذي حققه القطاع في عام 2025، والذي شهد نموًا استثنائيًا بلغ 21%، متجاوزًا المتوسط العالمي بنحو أربعة أضعاف.
وخلال عام 2025، استقبلت مصر نحو 19 مليون سائح، محققة إيرادات سياحية قاربت 18 مليار دولار، ما يعكس دخول القطاع مرحلة جديدة من التوسع الاستراتيجي المستدام، مدعومًا بزيادة الطلب الدولي على المقصد السياحي المصري. وكان وكيل لجنة السياحة والطيران بمجلس النواب السابق أحمد الطيبي، قد أرجع قفزة الأداء السياحي إلى “الاستقرار السياسي” كعامل جوهري ومحوري، مؤكدًا في تصريحات لـ “الجزيرة نت” أن هذا الاستقرار، مقترنًا بمزايا مصر النسبية من موقع جغرافي وتنوع في المقاصد والمناخ، شكل المزيج المثالي لجذب التدفقات السياحية العالمية.
يتزامن هذا الأداء القياسي مع تحديات تمويلية يواجهها الاقتصاد المصري، ليعيد قطاع السياحة تأكيد مكانته كأحد أهم مصادر النقد الأجنبي، ويعكس في الوقت ذاته القدرة التنافسية للمقصد المصري على تعزيز حصته في السوق العالمية رغم المتغيرات الاقتصادية الدولية.
عام سياحي بامتياز
بفضل الزخم الذي أحدثه افتتاح المتحف المصري الكبير مؤخراً، إلى جانب النمو الملحوظ في حركة الرحلات الجوية، تصدرت مصر، إلى جانب المغرب، قائمة أبرز الوجهات السياحية في إفريقيا لعام 2025، بعدما استقبلت نحو 19.8 مليون زائر، في مؤشر يعكس طفرة سياحية غير مسبوقة تشهدها دول شمال إفريقيا. وبهذا الإنجاز، تكون مصر قد نجحت للمرة الثانية على التوالي في كسر حاجز تاريخي صمد لنحو 14 عامًا، إذ ظل عام 2010 يمثل الذروة السياحية باستقبال 14.7 مليون سائح وتحقيق إيرادات بلغت 12.5 مليار دولار. ويفتح هذا الأداء القوي صفحة جديدة في مسار السياحة المصرية، تتجاوز من خلالها البلاد مستويات ما قبل الأزمات، وتؤسس لمرحلة نمو أوسع وأكثر استدامة.
وفقًا لبيان وزارة السياحة، ارتبطت 193 مدينة عالمية بالمقاصد السياحية المصرية خلال عام 2025، تصدرت رحلاتها مطارات القاهرة والغردقة وشرم الشيخ ومرسى علم، مع فتح آفاق جديدة للسياحة الشاطئية والترفيهية والثقافية، وظهور وجهتين جديدتين هما مدينة العلمين الجديدة والساحل الشمالي على البحر المتوسط.
قفزة نحو الـ 30 مليون
أكد خبراء ومسؤولون بقطاع السياحة أن الطفرة المحققة مؤخراً جاءت نتاج تضافر عوامل بنيوية وضعت المقصد المصري على مسار نمو تصاعدي مستدام. ويرى هؤلاء أن هذا الزخم يمهد الطريق لبلوغ المستهدف الاستراتيجي باستقطاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2028؛ وهو الهدف الذي يمثل ركيزة أساسية لتعظيم عوائد النقد الأجنبي وترسيخ استدامة القطاع.
يدعم هذا التفاؤل ما ذكره عمرو صدقي، الأمين العام للمجلس الوطني للسياحة الصحية، بأن الأرقام القياسية التي حققها قطاع السياحة تمثل «استحقاقًا مؤجّلًا» بعد سنوات من التحديات السياسية والاقتصادية. ودعا صدقي، في تصريحات لـ الجزيرة نت، إلى التركيز على تعظيم العوائد السياحية، بحيث يتوازى مستهدف الوصول إلى 30 مليون سائح مع تحقيق إيرادات بقيمة 30 مليار دولار.
توقع صدقي أن يسجل القطاع نموًا يتجاوز 10% خلال العام الجاري، بما يسمح بتخطي حاجز 21 مليون سائح، مرجعًا هذا التفاؤل إلى عودة الاستقرار الإقليمي، وتوسيع نطاق الأسواق السياحية المستهدفة، إلى جانب طرح أنماط سياحية جديدة وجاذبة، وفي مقدمتها سياحة «مسار رحلة العائلة المقدسة».
العامل الجوهري ومحركات النمو السياحي
تضافرت مجموعة من العوامل الاقتصادية والتنظيمية لتدفع السياحة المصرية نحو تحقيق قفزة لافتة، يمكن تلخيص أبرزها في:
- تعزيز تنافسية السياحة المصرية وارتفاع إنفاق السائح لأكثر من 100 دولار في الليلة.
- إبراز تنوع الأنماط والمنتجات السياحية بما يلبي اهتمامات شرائح مختلفة من الزائرين.
- تحسين جودة الخدمات السياحية المقدمة ورفع كفاءة التشغيل.
- التنوع الجغرافي للمقاصد السياحية بين الشاطئية والثقافية والدينية.
- القدرة على جذب شرائح متعددة من السائحين من أسواق إقليمية ودولية متنوعة.
- تطوير البنية التحتية السياحية، وعلى رأسها المطارات وشبكات النقل والخدمات المساندة.
وتستند هذه الطموحات إلى الاستثمارات الواسعة في البنية التحتية للطرق، وزيادة الطاقة الاستيعابية للفنادق، وافتتاح المتحف المصري الكبير، فضلًا عن التوسع في المقاصد السياحية بالساحل الشمالي، وتفعيل برامج تحفيز الطيران.
أهمية السياحة للاقتصاد المصري
تُعد السياحة ركيزة استراتيجية للاقتصاد المصري، حيث تساهم بنحو 12% من الناتج المحلي و15% من إيرادات النقد الأجنبي، مما يجعلها ثالث أكبر مصدر للعملة الصعبة بعد الصادرات وتحويلات المغتربين. وإلى جانب دورها التمويلي، تظل السياحة محركا رئيسيا للتشغيل بتوفيرها ملايين فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
وبحسب تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي” الصادر عن صندوق النقد الدولي في يناير/كانون الثاني، يُتوقع أن ينمو الاقتصاد المصري بنسبة 4.7% خلال السنة المالية الجارية، مدفوعًا بتحسن إيرادات قناة السويس، وانتعاش قطاع السياحة، ونمو الصناعات التحويلية.