في تطور لافت استقبلته الأوساط الاقتصادية العالمية، تصدرت البرتغال قائمة أفضل الدول أداءً اقتصاديًا لعام 2025، وفقًا لتقييم مجلة “الإيكونوميست” البريطانية الشهيرة. يأتي هذا الإنجاز، الذي لم يكن متوقعًا للكثيرين، وسط تحديات اقتصادية عالمية، ليضع البرتغال في واجهة الاقتصادات المزدهرة.
يستند تقييم “الإيكونوميست” إلى خمسة مؤشرات أساسية تشمل نمو الناتج المحلي الإجمالي، وأداء سوق العمل، وسوق الأسهم، والتضخم الأساسي، ونطاق التضخم. وقد تفوقت البرتغال بفضل نمو ناتجها المحلي بنسبة 2.4% في الربع الثالث من عام 2025، وهو ما يتجاوز المتوسط الأوروبي، بالإضافة إلى انخفاض التضخم وارتفاع سوق الأسهم بنسبة 20.9%، مما يشكل مزيجًا نادرًا من الاستقرار والنمو.
كيف حققت البرتغال هذا التفوق الاقتصادي؟
لطالما ارتبط اسم البرتغال في السنوات الماضية بالأزمات الاقتصادية، حيث كانت على وشك الإفلاس قبل أقل من 15 عامًا. إلا أن الحكومة آنذاك اتخذت إجراءات تقشفية صارمة، مما أدى إلى تحسن تدريجي في الأوضاع الاقتصادية. اليوم، تقف البرتغال كنموذج للاستقرار الاقتصادي، متجاوزة بذلك دولًا كبرى.
يشير تقرير صادر عن مؤسسة “فرانسيسكو مانويل دوس سانتوس” إلى أن البرتغال تدخل العام الحالي بنمو مستدام وثقة تجارية عالية. يعتمد النمو الاقتصادي البرتغالي الآن على قطاعات متنوعة، بما في ذلك الخدمات التي عوضت الانخفاض في صادرات السلع. وقد نما التوظيف بنسبة 10%، مما يعكس صمود الاقتصاد البرتغالي في وجه الصدمات الخارجية.
لا يمكن إغفال الدور الحيوي للسياحة في النهضة الاقتصادية للبرتغال. تشهد البلاد تدفقًا سياحيًا كبيرًا، مما ينعش قطاع الخدمات ويرفع الطلب على العقارات. وقد حصدت البرتغال جوائز عالمية في هذا المجال، مما يؤكد مكانتها كوجهة سياحية رائدة.
إلى جانب السياحة، تجذب البرتغال الأجانب الأثرياء بفضل معدلات ضرائب منخفضة وبرامج الإقامة عن طريق الاستثمار (التأشيرة الذهبية). يساهم هذا البرنامج في ضخ استثمارات ضخمة في الاقتصاد البرتغالي، محولًا البلاد إلى وجهة مفضلة لرواد الأعمال والمهنيين الدوليين.
تذكر مجلة “الإيكونوميست” أن نجاح البرتغال يعود إلى سنوات من التطوير، حيث تمكنت من الجمع بين نمط حياة راقٍ ومرونة اقتصادية. الاستثمار الأجنبي المستدام، المدعوم ببرامج التأشيرة الذهبية، سرّع من دخول البرتغال في مرحلة جديدة من التنافسية العالمية.
كما ارتفع سوق الأسهم البرتغالي بأكثر من 20%، مما جعل البلاد وجهة استثمارية مستقرة. تجذب البرتغال المستثمرين الدوليين الباحثين عن اقتصاد قوي ومرحب، حيث تستفيد الشركات المحلية من الأرباح الكبيرة وتوفر فرص عمل متعددة.
باختصار، يمكن تلمس سر صعود البرتغال في ثلاثة عوامل رئيسية: الاهتمام بقطاع السياحة، والضرائب المنخفضة الجاذبة للاستثمارات، وبرامج الإقامة الاستثمارية. هذه العوامل مجتمعة ساهمت في تحقيق هذا التفوق الاقتصادي.
زاوية مختلفة.. هل هذا النجاح حقيقي؟
على الرغم من الاحتفاء الرسمي، تثير انتقادات تساؤلات حول مدى انعكاس الأرقام الاقتصادية الإيجابية على حياة المواطنين العاديين. تشير بعض الأصوات إلى أن تكاليف السكن والسلع الأساسية لا تزال تشكل تحديًا للكثيرين، وأن النموذج الاقتصادي يعتمد بشكل كبير على عوامل خارجية.
يُقال إن النموذج الحالي، الذي يعتمد على جذب الأثرياء والاستثمار السياحي، قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الشرائح المختلفة في المجتمع. كما أن الاعتماد المفرط على السياحة قد يجعل الاقتصاد البرتغالي عرضة للصدمات الخارجية.
وتشير بعض التقارير إلى أن أسعار العقارات في البرتغال، خاصة في لشبونة وبورتو، شهدت ارتفاعًا ملحوظًا بسبب الطلب الأجنبي المتزايد. هذا الارتفاع في تكاليف السكن، مع بقاء الرواتب متوسطة، قد يجعل امتلاك منزل بعيد المنال بالنسبة للمواطن البرتغالي العادي.
من جهة أخرى، تفند وجهة نظر أخرى هذه الانتقادات. تشير بيانات إلى اقتراب معدل البطالة في البرتغال من مستويات التوظيف الكامل، وارتفاع الدخل الحقيقي للأسر. كما أن نسبة البرتغاليين المعرضين لخطر الفقر قد انخفضت.
وفقًا لهذه النظرية، أدى ارتفاع أسعار المساكن إلى زيادة ثروة معظم البرتغاليين الذين يمتلكون عقاراتهم، مما يعكس فائدة عامة لهذا الارتفاع.
تبقى التحديات الأساسية للبرتغال في ضرورة تنويع نموذجها الاقتصادي والانتباه لمعالجة قضية ارتفاع أسعار المساكن، خاصة للشباب. يبقى السؤال حول قدرة البرتغال على الاستدامة في نجاحها الاقتصادي مواجهةً لتلك التحديات.