تُعد الصحراء الليبية، بغموضها وسحرها، ملاذاً للباحثين عن المغامرة والاستكشاف، حيث تنقلب المفارقة الطبيعية مشهداً آسراً يبدأ بمد النظر عبر الرمال الذهبية والكثبان الرملية الشامخة، ليتهيأ الزائر لصحراء قاحلة، إلا أن الحقيقة تتكشف في وسط هذا الامتداد الشاسع لتتلألأ بحيرات ذات ألوان زاهية، تتجلى فيها زرقة السماء الصافية، محاطة بواحات النخيل الباسقة. هذه البحيرات الصحراوية الليبية، التي يصل عددها إلى ما يزيد عن 40 بحيرة وواحة، تشكل وجهاً فريداً للحياة في قلب الطبيعة القاسية، مقدمةً تجربة سياحية استثنائية.
تقع هذه البحيرات الساحرة، التي يبلغ عدد البحيرات التي لا تزال تحتفظ بمياهها نحو 11 بحيرة، بالقرب من مدينة أوباري في جنوب غرب ليبيا، ضمن إقليم فزان، في منطقة تعرف باسم “وادي الحياة”. لم يأتِ هذا الاسم من فراغ، فالشريط الطويل من الواحات والقرى هذا، الذي اشتهر ببحيراته الطبيعية وسط الرمال، شكل عبر آلاف السنين بيئة صالحة للاستقرار البشري بفضل وفرة المياه الجوفية وانتشار زراعة النخيل، واحتضن حضارة الجرمنت، إحدى أقدم الحضارات الصحراوية في شمال إفريقيا.
بحيرة قبر عون
تُعد بحيرة قبر عون، بعمقها الذي يصل إلى حوالي 8 أمتار، واحدة من أجمل البحيرات وأكثرها ارتياداً في الجنوب الليبي. تتميز مياهها بدفئها وملوحتها، وتحيط بها أشجار النخيل والقصب والنباتات الصحراوية، مما يجعلها ملاذاً للحياة البرية ووجهة مثالية للسباحة والتخييم والاسترخاء، حيث تحتفظ بمياهها الصافية والدافئة طوال العام. يتناقل سكان المنطقة اعتقاداً بأن مياهها تمتلك خصائص علاجية لبعض الأمراض الجلدية.
بحيرة أم الماء
تتميز بحيرة أم الماء بهدوئها وسكينتها، حيث تبرز بشكلها الأسطواني الضيق، وتحيط بها أشجار النخيل ونباتات صغيرة، مما يمنح الزائر إحساساً بالعزلة والراحة. تعتبر هذه البحيرة خياراً مناسباً للاسترخاء والتأمل والتخييم بعيداً عن صخب الحياة اليومية.
بحيرة أم الحصان
تقع بحيرة أم الحصان بالقرب من بحيرة قبر عون، وتحيط بها النباتات الصحراوية، بينما ينفتح محيطها على مشهد واسع من الكثبان الرملية الناعمة. توفر البحيرة تجربة فريدة لمحبي الطبيعة، فهي مناسبة للسباحة والاسترخاء والاستمتاع بعزلة الصحراء، فضلاً عن التخييم وسط مشهد طبيعي خالص.
بحيرة الطرونة
تُعد بحيرة الطرونة من أكثر الظواهر الطبيعية إثارة، حيث تتميز بلونها الأحمر الزاهي، الناتج عن وجود أنواع من الطحالب والبكتيريا التي تفرز صبغات طبيعية. هذا اللون الفريد يحول البحيرة إلى لوحة طبيعية نادرة وسط الصحراء.
بحيرة تادمكا
تُعتبر بحيرة تادمكا من أصغر بحيرات الجنوب الليبي وأكثرها جمالاً. تغذيها المياه الجوفية وتحيط بها النباتات الصحراوية والحشائش، فتبدو من بعيد كجزيرة خضراء تتوسط امتداد الرمال، في مشهد يخطف الأنظار ويجسد تباين الصحراء الساحر.
تفاصيل الرحلة
تُعد الفترة بين منتصف أكتوبر ومارس أفضل وقت لزيارة بحيرات الجنوب الليبي، حيث يكون الطقس معتدلاً ومناسباً للاستكشاف. تتطلب الرحلة عادة 5 إلى 6 أيام لزيارة هذه البحيرات الواقعة في عمق الصحراء الليبية. يُنصح بالتنسيق مع شركات السياحة والسفر بعد الوصول إلى طرابلس عبر مطار معيتيقة الدولي. توفر بعض البرامج السياحية جولات في طرابلس والإقامة في فنادقها قبل الانطلاق نحو الجنوب.
خيارات مرنة واقتصادية
توفر بعض الشركات خيارات متعددة للرحلات. الخيار الاقتصادي، الذي يقدر بحوالي 550 ديناراً ليبياً (100 دولار)، يشمل المبيت ليلة في سبها قبل دخول الصحراء وبعد الخروج منها، وهو مخصص لمن يمتلكون سيارات دفع رباعي ويحتاجون فقط لمرشد. الخيار الثاني، بتكلفة 1750 ديناراً ليبياً (200 دولار)، يشمل المرشد والوجبات والتخييم مع المجموعة. أما الخيار الثالث، الرحلة الفاخرة، فتبلغ تكلفتها 2550 ديناراً ليبياً (300 دولار) وتشمل التنقل الكامل من طرابلس وإلى طرابلس، سيارات الدفع الرباعي، تجهيزات التخييم، الوجبات، المرشد، والأنشطة الترفيهية.
مسار الرحلة
تبدأ الرحلة من طرابلس صباحاً نحو سبها، مع إمكانية السفر جواً. تفضل الشركات الطريق الصحراوي لما فيه من محطات متنوعة. عند الوصول إلى مدن الجنوب مثل سبها وأوباري، يتم إكمال المسار بسيارات الدفع الرباعي. بعد قضاء 3 إلى 4 أيام في استكشاف البحيرات والتخييم، يعود السياح إلى سبها للمبيت، ثم يعودون إلى طرابلس في اليوم السادس.
الأنشطة الترفيهية
يمكن الاستمتاع بالعديد من الأنشطة مثل ركوب سيارات الدفع الرباعي عند غروب الشمس، رياضات الرمال مثل كرة القدم والسلة، والتزلج على الرمال. تتوفر أيضاً فرصة للسباحة في بحيرة قبر عون، والاستماع إلى حكايات سكان الجنوب، وتذوق الأطعمة التقليدية، والتعرف على اللباس والحلي المحلية، وركوب الإبل. يأتي السياح الإيطاليون في مقدمة الزوار، يليهم الإسبان والبلغار. وتُعد تونس والجزائر والإمارات أبرز الجنسيات العربية زائرة.
وعلى الرغم من الجاذبية المتزايدة للسياحة الصحراوية في ليبيا، فإن هناك حاجة مستمرة لتطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية لضمان تجربة أكثر سلاسة وأماناً للزوار، مع أهمية الحفاظ على هذه البيئات الطبيعية الفريدة.