2026: عام حاسم في تحول مصر نحو النمو المستدام الذي يقوده الإنتاج

فريق التحرير

يمثل عام 2026 نقطة تحول حاسمة في المسار الاقتصادي لمصر. فبعد عدة سنوات ركزت في المقام الأول على امتصاص صدمات الاضطرابات العالمية والإقليمية، يدخل الاقتصاد مرحلة أكثر استقرارا تركز على تعزيز النمو الحقيقي، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتنويع مصادر الدخل.

تشير مؤشرات الاقتصاد الكلي الأخيرة إلى أن مصر بدأت في جني ثمار الإصلاحات الهيكلية والنقدية التي نفذتها خلال الفترة الماضية. فقد تحسنت مؤشرات النمو، وانخفض التضخم تدريجياً، وأظهرت تدفقات العملات الأجنبية انتعاشاً نسبياً. وتعمل هذه التطورات مجتمعة على تعزيز قدرة الاقتصاد على الصمود في مواجهة الصدمات الخارجية وترسي الأساس لمزيد من التوسع المستدام.

ومن المتوقع أن يتراوح نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بين 4.3% و4.8% في عام 2026، مما يشير إلى الانتقال من التوسع المدفوع بالتعافي إلى النمو القائم على الإنتاج. والأهم من ذلك أن هذا الزخم لم يعد يرتكز في المقام الأول على الاستهلاك. بل إنه يعكس بدلاً من ذلك توسعاً حقيقياً في القاعدة الإنتاجية ــ وهو تحول نوعي عن الأعوام السابقة يعمل على تعزيز قدرة مصر على تحقيق تقدم اقتصادي دائم وشامل.

ووفقا لتقديرات البنك المركزي المصري، من المتوقع أن يتراجع متوسط ​​التضخم السنوي إلى حوالي 10.5% في عام 2026. ويعكس هذا الانخفاض المتوقع مدى فعالية السياسة النقدية في احتواء الضغوط التضخمية دون تقويض النشاط الاقتصادي. ويقلل التضخم الأقل والأكثر استقرارا من تكاليف التمويل، ويدعم التخطيط الاستثماري، ويعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب.

ومن المتوقع أن يصبح القطاع الصناعي المحرك الرئيسي للنمو في عام 2026. وتمثل الجهود الحكومية لتعميق التصنيع المحلي وتوسيع الصادرات الصناعية ركيزة استراتيجية لخفض فاتورة الواردات، وزيادة إيرادات العملات الأجنبية، وتحسين الميزان التجاري. إن تعزيز القدرة الصناعية لا يؤدي إلى تعزيز القدرة التنافسية للصادرات فحسب، بل يعزز أيضاً زيادة القيمة المضافة داخل الاقتصاد المحلي.

ومن المتوقع أيضًا أن يحافظ القطاع المالي والمصرفي على أداء قوي. ويستفيد النظام المصرفي من النمو القوي للودائع، والتوسع في الإقراض من القطاع الخاص، وتحسين جودة الأصول، وارتفاع مستويات الاحتياطيات والأصول بالعملة الأجنبية. وزيادة الدعم المقدم للمشاريع الإنتاجية الطويلة الأجل تزيد من مواءمة الوساطة المالية مع أولويات التنمية الوطنية.

وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن تلعب البورصة المصرية دورًا أبرز في تعبئة المدخرات وتمويل النمو. ويساهم تحسن مؤشرات السوق، وارتفاع العروض الحكومية والخاصة، وتنامي ثقة المستثمرين، في تعزيز وظيفة سوق رأس المال باعتبارها قناة تمويل بديلة ــ قناة تدعم التوسع من دون فرض ضغوط إضافية على ميزانية الدولة.

وتتجه التجارة الخارجية أيضًا نحو هيكل أكثر توازناً. ومن المتوقع أن يساعد تحسن الأداء في الصادرات الصناعية والزراعية في تضييق العجز التجاري وتعزيز وضع ميزان المدفوعات.

ولا تزال هيئة قناة السويس واحدة من أهم مصادر العملة الأجنبية في مصر. ومع التحسن التدريجي في تدفقات التجارة العالمية، من المتوقع أن تتجاوز إيرادات القناة 6.5 مليار دولار، مما يعزز الاستقرار الخارجي.

ومن المتوقع أيضًا أن ينتعش الاستثمار الأجنبي المباشر بشكل أكبر، حيث من المتوقع أن تصل التدفقات إلى حوالي 7.5 مليار دولار في عام 2026. ولا تدعم هذه التدفقات النمو وخلق فرص العمل فحسب، بل تسهل أيضًا نقل التكنولوجيا ومكاسب الإنتاجية عبر القطاعات.

ومن المتوقع أن تواصل السياحة تعافيها القوي، في حين تشهد الخدمات الرقمية والطاقة المتجددة توسعا سريعا. ويعمل كلا القطاعين على زيادة مساهمتهما في الناتج المحلي الإجمالي وتوليد فرص عمل عالية الجودة، وخاصة للقطاعات الأصغر سنا من القوى العاملة.

ويظل القطاع الزراعي محوريا لأهداف الأمن الغذائي، في حين يواصل قطاع البناء دعم النمو والتوظيف من خلال مشاريع التنمية الحضرية والبنية التحتية. وتعمل هذه القطاعات مجتمعة على تعزيز الطلب المحلي مع توسيع القدرة الإنتاجية.

وتتميز السياسة المالية في عام 2026 بإجراء توازن دقيق: احتواء الإنفاق العام، وتعزيز تعبئة الإيرادات، والحفاظ على زخم النمو. وتستهدف الحكومة خفض عجز الموازنة إلى نحو 3%، وخفض الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وتحسين كفاءة الإنفاق، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وزيادة الاستثمار في الطاقة والتعليم. ويؤدي تعزيز صافي الاحتياطيات الدولية إلى تعزيز الاستقرار المالي والتخفيف من المخاطر الخارجية.

ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات مهمة. إن التقلبات في أسعار الطاقة العالمية، والتوترات الجيوسياسية المستمرة وتأثيراتها على التجارة، وضرورة رفع مستويات الإنتاجية، والوتيرة المتسارعة للتغير التكنولوجي، كلها أمور تتطلب استمرار اليقظة السياسية والتكيف الهيكلي.

وفي هذا السياق، يمكن وصف عام 2026 بأنه عام إعادة التوازن الاقتصادي لمصر ــ الانتقال من امتصاص الصدمات إلى النمو المستدام المرتكز على الإنتاج والاستثمار.

وتشمل السمات المميزة لهذه المرحلة بنية اقتصادية أكثر مرونة، والتضخم على مسار هبوطي مستدام، والتوسع في القطاعات الإنتاجية، والدور المتنامي للقطاع الخاص، والتحسن المطرد في مصادر العملة الأجنبية. وتساهم هذه التطورات مجتمعة في تمكين الاقتصاد المصري من التغلب على حالات عدم اليقين الإقليمية والعالمية بقدر أكبر من الاستقرار، وتعزيز جاذبيته للاستثمار، وتأمين آفاق نمو أكثر استدامة على المدى المتوسط ​​والطويل.

د شيماء وجيه – خبير مصرفي

شارك المقال
اترك تعليقك