ويقول كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات التطوير العقاري الرائدة في مصر إن القطاع يدخل مرحلة جديدة – مرحلة تحددها التصحيح الهيكلي، والأساسيات القوية، والأهمية العالمية المتزايدة – مدفوعا بالاستقرار الاقتصادي، وزيادة الاستثمار الأجنبي، والتوسع السياحي، وتطور نماذج التنمية الحضرية.
وقال أيمن عامر، المدير العام لشركة سوديك، إن مصر تتبع مسارًا مشابهًا للتحول الذي شهدته الهند على مدار العقدين الماضيين، حيث تضع نفسها لتصبح مركزًا عالميًا رئيسيًا خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة القادمة.
خلال حديثه في المؤتمر العقاري السنوي لغرفة التجارة الأمريكية في مصر، “مصر تنهض: العقارات كقوة إقليمية” وقارن عامر مرحلة التنمية الحالية التي تمر بها مصر بالوضع الذي كانت عليه الهند قبل 20 عاما. وأشار إلى أنه بينما كانت الصين تهيمن ذات يوم على روايات النمو العالمي، فإن صعود الهند كان مدفوعا بالحجم السكاني، ورأس المال البشري، وزيادة الكفاءة المهنية المؤسسية، وهي عوامل بدأت مصر الآن في مشاركتها.
وسلط عامر الضوء على تكنولوجيا المعلومات وريادة الأعمال كمحركين رئيسيين للنمو، ووصف مصر بأنها تبرز بسرعة كمركز إقليمي لتكنولوجيا المعلومات والابتكار الرقمي، مدعومة بمجموعة مواهب عميقة ومتنوعة تشمل الهندسة والرعاية الصحية والتعليم.
وأضاف أن السياحة تظل حجر الزاوية في نمو مصر على المدى الطويل. تدر الدولة حاليًا حوالي 15 مليار دولار سنويًا من السياحة، وهو أقل بكثير من نظيراتها العالمية مثل الإمارات العربية المتحدة (70 مليار دولار) وإسبانيا (ما يقرب من 129 مليار دولار). ومع ذلك، فإن الأصول التاريخية الفريدة التي تتمتع بها مصر، إلى جانب المعالم الجديدة مثل المتحف المصري الكبير، تساعد في إعادة وضع البلاد على خريطة السياحة العالمية وفتح إمكانات كبيرة غير مستغلة.
وفيما يتعلق باستراتيجية الاستثمار، قال عامر إن العقارات توفر أساسيات أقوى من أصول الملاذ الآمن التقليدية مثل الذهب أو الفضة، خاصة بالنسبة للمستثمرين من المؤسسات وأصحاب الثروات العالية.
وقال: “إن المجمعات الكبيرة لرأس المال تتطلب أصولاً كبيرة وملموسة”، مشيراً إلى أن العقارات تلبي هذا المطلب بشكل فريد مع الحفاظ على السيولة نسبياً، مع أفق استثماري متوسط الأجل يتراوح بين خمس إلى سبع سنوات.
وأضاف أن المصداقية والتنفيذ ضروريان لجذب رأس المال الإقليمي. ويعمل المطورون الذين يقومون دائمًا بتسليم المشاريع في الوقت المحدد ووفقًا للمواصفات على تعزيز مكانة مصر بين المستثمرين من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وخارجها.
الاستثمار الأجنبي وأساسيات السوق
وقال حازم هلال، الرئيس التنفيذي لشركة أويست ومكادي هايتس وبيوم، إن القطاع العقاري في مصر يواصل جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، مدعومًا بتدفقات رأس المال القوية من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر.
وأشار إلى أن تدفقات العملات الأجنبية تتعزز بشكل متزايد بفضل تحويلات المصريين من الخارج، والتي تتجاوز الآن إيرادات قناة السويس والسياحة – مما يعزز مرونة القطاع وسط حالة من عدم اليقين الاقتصادي العالمي.
وأضاف هلال أن السياحة تواصل دعم الطلب العقاري، لافتا إلى أن مصر استقبلت رقما قياسيا بلغ 15 مليون سائح في عام 2024، مع مساهمة القطاع بأكثر من 15 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي. وقد أفاد هذا النمو بشكل مباشر التطورات التي تقودها الضيافة والمتعددة الاستخدامات، لا سيما في الوجهات الساحلية.
وقال هلال إن التطوير العقاري يتحول بشكل متزايد بعيداً عن مراكز المدن المزدحمة نحو المناطق الناشئة والهامشية، مدفوعاً بالطلب على المجتمعات المتكاملة التي تجمع بين الخدمات السكنية والرعاية الصحية والتعليم والترفيه والخدمات التجارية.
ومع اعترافه بأن أسعار العقارات ارتفعت بشكل حاد في السنوات الأخيرة، قال إن السوق دخل مرحلة تصحيح في عام 2025، مع ظهور توقعات أكثر تفاؤلاً لعام 2026، مدعومة بتحسن المؤشرات الاقتصادية واستراتيجيات التسعير الأكثر توازناً.
ورفض عامر المزاعم القائلة بأن أسعار العقارات في مصر متضخمة، قائلا إن التقييمات يجب أن يتم تقييمها بالدولار الأمريكي بدلا من العملة المحلية. ويبلغ متوسط أسعار الوحدات السكنية الفاخرة في مصر حوالي 1000 دولار للمتر المربع، مقارنة بـ 6000 إلى 7000 دولار في أسواق دول مجلس التعاون الخليجي و10000 دولار أو أكثر في أوروبا.
وقال: “تظهر هذه الأرقام أن مصر تقدم عقارات متميزة بنحو 30% من الأسعار الأوروبية وبنصف أو أقل من مستويات دول مجلس التعاون الخليجي”.
وأضاف عامر أن ما يقرب من 70% من محفظة سوديك مصنفة على أنها فاخرة للغاية، مع بقاء الطلب قويًا من قاعدة عملاء جيدة السفر وذات معايير عالمية.
وشدد هلال على أن انخفاض أسعار المتر المربع أمر مستبعد، مستشهدا باستمرار الضغط التصاعدي على قيمة الأراضي وتكاليف البناء ومصروفات التمويل وتكاليف التشغيل. وقال إن القدرة على تحمل التكاليف لن تتم معالجتها من خلال تخفيض الأسعار، ولكن من خلال تصميم الوحدات الأكثر ذكاءً.
وأوضح أن السوق يبتعد عن الفلل التي تبلغ مساحتها 400-1000 متر مربع نحو تصميمات أكثر كفاءة تقلل من إجمالي سعر التذكرة دون المساس بالجودة.
التصحيح والتوحيد والتحول نحو الجودة
ووصف أحمد فتحي، الرئيس التنفيذي المشارك لشركة مصر إيطاليا العقارية، المرحلة الحالية بأنها تصحيح للسوق يتسم بالاندماج والمنافسة القائمة على الجودة.
وقال إن هذا التحول لا يتعلق بخفض الأسعار، بل يتعلق بمواءمة العرض مع الطلب الحقيقي. ويشهد القطاع زيادة في المشاريع المشتركة والشراكات الاستراتيجية مع خروج اللاعبين الأضعف من السوق.
وقال فتحي: “من المرجح أن تعني هذه المرحلة عددًا أقل من المطورين، ولكن مطورين أقوى”، مشيرًا إلى أن المشروعات ذات الوضع الجيد تستمر في تسجيل مبيعات قوية، مع بيع بعض عمليات الإطلاق في غضون ساعات.
وسلط فتحي الضوء أيضًا على التحول الهيكلي في العقارات التجارية، حيث تحول السوق من نموذج يحركه المالك إلى نموذج يفضل المستأجرين والشاغلين بشكل متزايد.
ومع ارتفاع العرض، يتنافس الملاك الآن على الأسعار، ومرونة الإيجار، والوظائف، وخدمات القيمة المضافة، في حين يظل الطلب أقوى على المساحات المكتبية جيدة التصميم والقابلة للتكيف.
وخلص المسؤولون التنفيذيون إلى أن قطاع العقارات في مصر يتطور إلى سوق أكثر نضجًا وتنافسية وتكاملًا عالميًا – حيث سيتم تحديد النجاح على المدى الطويل من خلال التنفيذ والابتكار والتطوير المتكامل والتصميم الذي يركز على العملاء، بدلاً من التسعير المضاربي وحده.